إذًا فأصل السعي عمل تعبدي لا خلاف في علته ولا في مشروعيته , ولكن بعضا من حكمته قد تظهر لمن تدبر أصول التشريع , وقد كان من حكمة الله سبحانه وتعالى أرادته أن يرمز إلى علو إيمان أم إسماعيل عليه السلام لنتذكر دائما قصتها فنسمو بإيماننا إلى درجة سموها بإيمانها، حيث عبارتها المشهورة (( الله أمرك بهذا ) )فأجابها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنعم فقالت: (( إذا لن يضيعنا ) )، أجابت بذلك رغم أن القرائن تدل على أنها منطقة مضيعة مقفرة لا زرع فيها ولا ماء, ولكنها أدركت قيومية الله في أوامره فأجابت بتلك العبارة الخالدة: (( إذا لن يضيعنا ) ).
لقد سمى الله عز وجل السعي بين الصفا والمروة طوافًا، وذلك بقوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [1] ، وفي حقيقة الأمر فهما مختلفان في كيفيتهما، قال ابن الهمام الحنفي (ت 681هـ) : (( الفرق بين الطواف بالبيت، والمسعى، أن الطواف: دوران لا يتأتى إلا بحركة دائرية، فيكون المبدأ والمنتهى واحدًا بالضرورة. أما المسعى: فهو قطع مسافة مستقيمة، وذلك لا يقتضي العودة إلى بدئه ) ) [2] .
(1) سورة البقرة: آية: 158.
(2) فتح القدير: 2/ 460.