قال ابن عابدين: (( إن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بالنص، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قال أولًا، ولهذا قالوا في شروط المجتهد: أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام يختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله ولحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه الحرج والمشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثرة بناها على ماكان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبيه ) ) [1] ، وقد خالف الإمامان: محمد بن الحسن وأبو يوسف الإمام أبا حنيفة في ثلث المذهب، وقالا: (( لو رأى إمامنا ما رأينا لغير رأيه ) )، كما سبق وأسلفنا القول.
فما يحدث فيه حرجٌ بالغٌ، وعَنَتٌ شديدٌ، ويقع التنازع فيه بين الأحوط والأيسر، فإن التماس الأيسر هو الأوفق لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أبي مسعود الأنصاري قال قال رجل: يا رسول الله لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضبا من يومئذ فقال: (( أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة ) ) [2] ،
(1) رسائل ابن عابدين، لابن عابدين الحنفي، باعتناء: محمد أمين، نشر: مطابع الاستقامة - تركيا: 2/ 125.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: 1/ 46 (90) .