فمن ذات المصادر الشرعية استنبط فقهاء الشريعة أحكامًا وشروطًا وقيودًا لتطبيق حالة الضرورة، منها: أن الضرورة تقدر بقدرها، وأن يكون الخطر الذي يبرر الاضطرار جسيمًا وحالًا، وأن لا يوجد طريق غيره لدفع الخطر، والعودة للحكم الشرعي الأصلي عند زوال أسباب الاضطرار.
والضرورة من الأمور الاجتهادية، فمنها ما هو متصل بأمور الجماعة، ومنها ما هو متعلق بخصوصيات الفرد، والذي يهمنا في ذلك المقام، هو ما يتعلق بأمور الجماعة، فإذا كان الأمر متعلق بأمور الجماعة والمجتمع، فإن حاكم البلاد هو المسؤول عن ذلك، وهو صاحب السلطة التنفيذية في إقرار ما يستوجب الضرورة، ومعالجته بالكيفية التي يراها.
فقد أمر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إيقاف تنفيذ الحد في السارق، لمدة معينة، عندما كان ذلك ضروريا بسبب المجاعة، وعاد لتنفيذ حدود الله عز وجل عندما انتفى الأمر، وعادت الأمور إلى طبيعتها.
كما سبق للخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أن أمر بجمع القرآن في مصحف واحد، وكان ذلك ضرورة تهم جميع المسلمين في سائر الأرجاء.
ولهذا ينبغي التفريق بين ما كان قطعي الثبوت والدلالة، أو ما انعقد عليه إجماع صريح متيقن، وبين ما هو من مظنون المسائل، ومنازع الاجتهاد التي يكون الأمر فيها بين صواب وخطأ، وراجح ومرجوح، دون إنكار على المخالف، فالمتفق عليه لا يسع مسلمًا رده أو الجدال فيه، والمختلف فيه يسعنا ما وسع السابقين من