أما في عصرنا هذا فنرى يسر العثور على المجتهدين، ويسر أخذ رأيهم بعد وجود وسائل الاتصال الحديثة، ورؤية المجتهد وسماع رأيه بواسطة الانترنت الذي به يمكن الاطلاع على آراء الكل بساعة واحدة من مكان واحد.
المطلب الخامس: مستند الإجماع:
إن المجتهدين لا يجمعون على حكم من هوى أنفسهم أو تشهياًُ، بل لا بُدَّ من أن يستندوا إلى دليل من كتاب أو سنة أو قياس أو مصلحة مرسلة.
مثال إجماع مستندة الكتاب: تحريم نكاح الجدّة فقد حصل الإجماع عليه استنادًا إلى قوله - جل جلاله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } [النساء:23] ؛ لأن المراد بالأمهات الأصول: الأم وإن علت، والجدة أصل. وكذا الزواج من بنات الأولاد استنادًا إلى قوله - جل جلاله: { وَبَنَاتُكُمْ } [النساء:23] : أي الفروع.
مثال ما سنده السنة: إنه لا يجوز بيع شيء اشتراه قبل قبضه بالإجماع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (من ابتاع طعامًا لا يبعه حتى يستوفيه) (1) ، والحكم الذكور في الحديث بالرغم من وضوحه الكامل إلا أنه كان ظنيًا لا يفيد العلم اليقيني؛ لعدم ثبوت الحديث بالتواتر، ولكن بعد انعقاد الإجماع عليه صار قطعيًا مجزومًا بقطعيته.
مثال ما سنده القياس: قياس إمامة الحكم من قبل أهل السقيفة على إمامة الصلاة لخلافة أبي بكر - رضي الله عنه -.
مثال ما سنده المصلحة: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على جواز جمع القرآن في عهد أبي بكر؛ لأنه رأى المصلحة في ذلك خشية من غيابه أو بعضه بموت القراء الحفظة (2) .
(1) مسلم، الصحيح، ج3، ص1210، والنسائي، المجتبى، ج7، ص275.
(2) السمرقندي، الميزان، ج2، ص751، والسبكي، جمع الجوامع، ج2، ص195.