وهكذا فإن الإنسان حيث يكون جنينًا تتكون له أهلية الوجوب، ثم تكتمل بولادته حيًا، ثم ينمو إلى أن يميّز فتتم له أهلية الأداء الناقصة ثم يبدأ في النضج والاكتمال إلى أن يبلغ رشيدًا قوي البدن سليم الجسم، فتتحقق له أهلية الأداء الكاملة، فإذا ضَعُفَت قوة العقل والرشد، أو قوة البدن وسلامة الجسم كانت أهلية الأداء الناقصة، وتستمر أهلية الأداء الكاملة مع الإنسان الرشيد القوي البدن السليم الجسم إلى أن يموت، إلا إذا تعرَّض لأمور سماوية أو مكتسبة تؤثر فيها بالإعدام أو بالإضعاف والإنقاص، وتلك المسماة بعوارض الأهلية، مثل: الجنون، والعته والإغماء، والنوم، والسكر (1) ، أو بالإعاقات البدنية الحسية أو الجسمية مثل: الخرس، والعمى، والعرج، والمرض، والشلل... الخ.
فعوارض الأهلية هي الأمور التي تطرأ على الإنسان بعد كمال أهلية الأداء لديه فتؤثر فيها إما بالنقص، أو الإبطال، أو تغيير بعض الأحكام بالنسبة لمَن عرضت له من غير تأثير في أهليته.
وتنقسم هذه العوارض عند الحنفية إلى: عوارض سماوية، وعوارض مكتسبة.
فالسماوية: هي التي لا دخل للإنسان فيها: كالصغر، والجنون، والعته، والنسيان، والنوم، والإغماء، والمرض، والرق، والحيض، والنفاس، والموت.
والمكتسبة: هي التي يكون للإنسان دخل فيها: كالسكر، والسفه، والسفر، والدّين.
فمَن بلغ عاقلًا تثبت له كما قدمنا أهلية أداء كاملة، وقد تعرض له عوارض ليست كلها في درجة واحدة من التأثير على الأهلية، بل منها ما يزيل أهلية الأداء أصلًا كالجنون، والنوم، والإغماء، ومنها ما ينقص تلك الأهلية ولا يزيلها: كالعته، ومنها ما يعرض فلا يؤثر في أهلية الأداء لا بإزالة ولا نقصان، ولكن يغير بعض الأحكام لمصالح اقتضت هذا التغيير كالسفه والغفلة والدّين.
(1) نفس المصدر.