الصفحة 400 من 439

أما أهلية الأداء فتعني صلاحية الشخص لصدور الفعل أو القول عنه على وجه يعتدّ به شرعًا (1) : أي يكون الشخص بها صالحًا لاكتساب الحقوق والواجبات ومؤاخذًا بأقواله وأفعاله، ومطالبًا بتنفيذ التزاماته، فتترتب على ذلك صحّة تصرفاته، فتكون تصرّفاته سببًا في إنشاء الحقوق له أو عليه، ومعيار ذلك التمييز؛ لأنه الذي يجعله فاهمًا لما ترمي إليه أقواله وأفعاله، ومدركًا لما يترتب عليهما من حقوق أو واجبات،فالتمييز هو كون الشخص عارفًا بمعاني الألفاظ الدّالة عليها (2) .

وأهلية الأداء والتي يسميها البعض بأهلية المعاملة (3) ، اعتبر العقل مناطًا لها؛ لأن التكليف يقتضي استجابة المكلّف لما كُلِّف به، وهذا لا يتحقق إلا بالقصد إلى امتثال مقتضاه، وهذا القصد لا يتأتى إلا ممَّن يفهم التكليف ويدرك مراد الخطاب، وتحققت لديه سلامة أدوات التنفيذ والأداء لمضمون الخطاب، والقول بأن مناط هذه الأهلية هو العقل الكامل والبدن القوي يقتضي ألا تثبت أهلية الأداء لمجنون ولا صبي ولا عاجز غير قوي، كما يقتضي عدم ثبوتها لغير الإنسان (4) ، ولذلك فإن أهلية الأداء تتعلق بقدرتين هما: قدرة فهم الخطاب وتتحقق بالعقل، وقدرة العمل بمضمونه وتتحقق بالبدن وقواه.

والإنسان في أول أحواله عديم القدرتين إلا أنّ فيه من الاستعداد ما يدعو لأن توجد فيه كلّ واحدة منهما شيئًا فشيئًا بخلق الله - جل جلاله - وقدرته إلى أن يبلغ بكلّ واحدة منهما درجة الكمال.

فالإنسان قبل بلوغه درجة الكمال بهما كانت كل واحدة منهما قاصرة كما هو حال الصبيّ المميز قبل بلوغه، وقد تكون إحداهما قاصرة بعد البلوغ كما في حال المعتوه؛ إذ أنه قاصر العقل: كالصبي وإن كان قوي البدن (76) . وعليه فإن أهلية الأداء إما قاصرة أو كاملة.

(1) التفتازاني، التلويح،ج2، ص324، والبخاري، كشف الأسرار، ج4، ص1359.

(2) نفس المراجع.

(3) عوارض الأهلية، ص 114.

(4) المرجع السابق، ص115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت