ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة: (( لا حكم إلا لله ) ) (1) ، واستدلَّ العلماء على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول الله - جل جلاله: { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } [الأنعام: 57] ، وقوله - عز وجل: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } [المائدة: 49] ، وقوله - جل جلاله: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [المائدة: 47] .
وقد أرشد الله تعالى المكلفين إلى أحكامه تارة بالنصّ عليهاـ وتارة بنصب أمارات وعلامات يهتدي بها المجتهدون إلى معرفة هذه الأحكام، وليس معنى ذلك أنه لا عمل للعقل مطلقًا، بل له عمل من التأمل والنظر واستنباط الأحكام للوقائع المتجددة من خلال ما أرشد الله - جل جلاله - إليه من أمارات وعلامات، وفي إطار ما اشتملت عليه النصوص الشرعية من مبادئ عامة وقواعد كلية.
أما المعنى الثاني للحاكم، وهو الذي يدرك الأحكام ويظهرها ويعرفها ويكشف عنها، فقد ميّز العلماء بين حالتين:
بعد البعثة وبلوغ الدعوة، وفي هذه الحالة اتفقوا على أن الذي يدرك الأحكام الشرعية ويظهرها هو التشريع السماوي المنزّل، والحاكم هو الشرع الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما أحلّه الله فهو حلال، وما حرّمه الله فهو حرام، وما أمر به الشرع فهو حسن وفيه مصلحة، وما نهى عنه فهو قبيحٌ وفيه مفسدة.
فهي قبل البعثة، حيث اختلف العلماء في تحديد الحاكم بالمعنى الثاني في حالة ما قبل البعثة واختلفوا على دور العقل في ذلك على قولين (2) :
(1) الآمدي، الإحكام، ج1، ص76 ، وأمير بادشاه البخاري، تيسير التحرير، ج2، ص150 .
(2) الزحيلي، أصول الفقه، ص 363.