الصفحة 366 من 439

طريقة المتكلمين، وتميزت هذه الطريقة بتحقيق المسائل تحقيقًا منطقيًا نظريًا، وتمحيص الخلافات مع الميل إلى الاستدلال العقلي وعدم التعقيد في الجدل، فهم يثبتون ما أثبته الدليل، وينفون ما نفاه الدليل، وكل هدفهم الوصول إلى أقوى القواعد وأضبطها، فلم يجعلوا همهم أخذ القواعد من الفروع الفقهية، ولم يربطوها ببعضها بل كانوا بعد تقريرهم القاعدة الأصولية يثبتونها وإن خالفت الأصول التي دونها أئمتهم، وقد كان يميل إلى هذه الطريقة علماء المالكية والشافعية وعلماء الكلام، ولم تقتصر هذه الطريقة على قواعد استنباط الأحكام الفقهية، بل بحثت في بعض المسائل الكلامية العقلية، فقد تكلموا عن عصمة الأنبياء قبل النبوة، وعن التحسين والتقبيح العقليين، وبعض المباحث المنطقية الفلسفية.

طريقة الفقهاء، وامتازت هذه الطريقة بأن علماء الحنفية وجهوا عنايتهم إلى تقرير القواعد الأصولية وتحقيقها على ضوء ما نقل عن أئمتهم من الفروع الفقهية، ومعنى ذلك أنهم استمدوا أصول فقههم من الفروع والمسائل الفقهية المنقولة عن أئمة المذهب الحنفي؛ لذلك كثرت الفروع الفقهية في كتب أصول الحنفية، وإن كانوا يذكرونها على سبيل التفريع على القواعد (1) .

قال ابن خلدون (2) : (( إن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الأمثلة منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية، والمتكلمون يجردون صورة تلك المسائل على الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن؛ لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم، فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية وإلتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن.

وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمة الحنفية فكتب في القياس بأوسع من جميعهم وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه، وكملت صناعة أصوله الفقه بكماله وتهذيب مسائله وتمهدت قواعده.

(1) أبو العنين، أصول الفقه، ص15-17.

(2) ابن خلدون، المقدمة، ص319-320.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت