الصفحة 317 من 439

وفي العصور الأُموية والعباسية كان الخليفة يشاور الوزراء والأُمراء وقواد الجيش (1) ، وأُنشئت في دار قرطبة لشورى القضاء أعضاؤها من جِلّة العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام (2) .

وهذه الآثار تدل على مشروعية الاجتهاد الجماعي وأهميته التي أولاها الفقهاء العناية الخاصة.

وتجلّى الاجتهاد الجماعي حين دوّن فقه المذاهب:

فكان أبو حنيفة - رضي الله عنه - إذا وقعت واقعة شاور تلاميذه وناظرهم وحاورهم وسألهم، فيسمع ما عندهم من الأخبار والآثار، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال، فيثبته أبو يوسف - رضي الله عنه -، حتى أثبت الأُصول على هذا المنهج (3) .

وكذلك كان الإمام مالك - رضي الله عنه - كانت له حلقة خاصة يناظر فيها أصحابه وتلاميذه، ويحضرها أحيانًا شيخه ربيعة الرأي.

ومثلهم أيضًا الإمام الشافعي الذي كوّن حلقة خاصة به، وهكذا بالنسبة للأئمة المجتهدين (4) ، كانت لهم حلقات علمية جرت فيها المناقشات وصدرت عنها الآراء والأحكام. وما كان ذلك إلَّا ثمرة الاجتهاد الجماعي.

المطلب الثاني: الحاجة إلى الاجتهاد الجماعي:

لا ريب في أن رأي الجماعة خير من رأي الفرد، والفرد مهما كانت درجته في العلم يحتاج إلى الآخر، وبالتشاور تصقل الأفكار، وتتضح المشكلات، ويذكر المنسيّ.

وهذه ثمار العمل الجماعي (5) المؤسسي الشوري.

والشورى طريق لمعرفة الصواب، لهذا أمر الله سبحانه بها في الآيتين السابقتين، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه: ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

(1) حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي، ج2، ص263.

(2) عبد الوهاب خلاف، السياسة الشرعية، ص46.

(3) جامع مسانيد الإمام الأعظم ج1 ص33 ونقله د. شعبان محمد في الاجتهاد الجماعي،ص113.

(4) الاجتهاد الجماعي السابق.

(5) شعبان محمد إسماعيل: الاجتهاد الجماعي ص27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت