وحمل مع بعض العلوية سنة (184هـ) إلى مقرَّ الخلافة في بغداد بتهمة السعي ضد العباسيين، والتقى محمد بن الحسن الشيباني ولزمه وأخذ عنه، قال الشافعي - رضي الله عنه: (( حَمَلت عن محمد بن الحسن حِمْل بُخْتَي ليس عليه إلا سماعي منه، وما رأيت أحدًا سئل عن مسألة فيها نظر إلا رأيت الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن ) ) (1) .
وكان محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يواسيه بالبرّ، ويتعاهده بالأعطيات بخمسين دينارًا وما فوقها بين حين وآخر، كما يرويه أبو عبيد وغيره، وبمحمد اكتَمَل بَدْرُ الشافعي - رضي الله عنه -، وبه تخرّج حتى أصبح له شأن في العلم بعد ذلك (2) ، قال الشافعي - رضي الله عنه: (( أعانني الله برجلين بابن عيينة في الحديث وبمحمد في الفقه، وليس لأحد علي منّة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد علي ) )، وكان يترّحم عليه في عامّة أوقاته (3) .
ورجع إلى مكة ينشر العلم هناك، وكانت قدمته الثانية إلى بغداد سنة (195هـ) فأقام سنتين، وألف (( الرسالة ) )بطلب ابن مهدي، وصنف (( الحجّة ) )، وهو يمثل مذهبه القديم، واتصل به أبو ثور وأحمد والزعفراني وأبو عبد الرحمن وأخذوا عنه، وكانت قدمته الثالثة سنة (198هـ) فأقام أشهرًا ولزمه الكرابيسي فيها، فهاتان القدمتان وقعتا في عهد إمامته في الفقه (4) ، ثم خرج إلى مصر سنة (199هـ) وألَّف فيها كتاب (( الأم ) )وفيه مذهبه الجديد.
(1) ابن عبد البر، الانتقاء، ص119.
(2) هامش الانتقاء ص119.
(3) محمد زاهد بن الحسن الكوثري (ت1371هـ) ، بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، مصر، الأزهرية للتراث،1998مـ، ص3.
(4) قال الكوثري في هامش الانتقاء ص117: قد تلتبس هذه الرحلات الثلاث بعضها ببعض على من لا خبرة عنده بالتاريخ فلا تظهر له الأخبار الملفقة التي يأباها التاريخ الصحيح.