الصفحة 153 من 439

قال أسد بن عمرو - رضي الله عنه: (( كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب ـ أي من قرب ـ وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثم يكتبونها في الديوان ) ) (1) .

وقال الموفق المكي (2) : (( وضع أبو حنيفة - رضي الله عنه - مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله، ورسوله، والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا، أو أكثر، حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن، وبه أطيب، من مذهب من انفرد، فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه ) ) (3) .

(( ومن طريقته في التفقيه أنه كان عند مدارسته المسائل مع أصحابه يذكر احتمالًا في المسألة فيؤيده بكل ماله من حول وطول، ثم يسأل أصحابه أعندهم ما يعارضونه به؟ فإذا وجدهم مشوا على التسليم بدأ هو بنفسه ينقض ما قاله أولًا بحيث يقتنع السامعون بصواب رأيه الثاني، فيسألهم عما عندهم في الرأي الجديد، فإذا رأى أنه لا شيء عندهم أخذ يصور وجهًا ثالثًا، فيصير الجميع إلى هذا الرأي الثالث، وفي آخر الأمر يحكم لأحدها بأنه هو الصواب بأدلة ناهضة، وهذه طريقة في التفقيه امتاز بها أبو حنيفة - رضي الله عنه - وأصحابه ) ) (4) .

(1) يحيى بن معين أبي زكريا (ت233هـ) ، التاريخ، تحقيق: د. أحمد نور سيف، دمشق، دار المأمون، 1400هـ، ج3، ص504.

(2) الموفق المكي، مناقب الإمام أبي حنيفة، بيروت، دار الكتاب العربي، ج2، ص133.

(3) الكوثري، مقدمة نصب الراية، ص315-316.

(4) محمد بن زاهد الكوثري (ت1371هـ) ، حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي، مصر، دار الأنوار للطباعة والنشر، 1368هـ، ص13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت