ومن النصوص التاريخية التي تدل على كثرة الحفاظ في الكوفة وبالتالي كثرة الحديث، ما روى الرامهرمزي (1) عن ابن سيرين - رضي الله عنه -، قال: (( أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا ) ). وروى السمعاني (2) : (( عن عفّان ـ شيخ البخاري ـ يقول ـ وسمع قومًا يقولون: نسخنا كتب فلان، ونسخنا كتب فلان ـ، فسمعته يقول: نرى هذا الضرب من الناس لا يفلحون، كنّا نأتي هذا فنسمع منه ما ليس عند هذا، ونسمع من هذا ما ليس عند هذا، فقدمنا الكوفة فأقمنا أربعة أشهر ولو أردنا أن نكتب مئة ألف حديث لكتبناها، فما كتبنا إلا قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلا بالإملاء، إلا شريكًا، فإنه أبى علينا، وما رأينا بالكوفة لحانًا مجوزًا ) ).
وأيضًا، فإن التابعين من محدثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلبًا لذلك، فقد روى ابن سعد في (( طبقاته ) )أسماء مئتين واثنين من التابعين الكوفيين، الذي رووا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة (3) ، وفي هذه النقول تفنيد لشبهة أخرى، هي قلّة الرواية والحديث في عصر التابعين وأتباعهم واشتهار الرواية وكثرتها في عصر الإمام الشافعي والإمام أحمد - رضي الله عنهم -.
(1) حسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت360هـ) ، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق: د. محمد عجاج، بيروت، دار الفكر، 1404هـ، ج1، ص560، 408.
(2) عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت562هـ) ، أدب الإملاء والاستملاء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1401هـ (ط1) ، ص16.
(3) د. محمد عقلة الإبراهيم، الحركة الفقهية في بلاد الشام، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، السنة السادسة، العدد، 14. 1410هـ، ص284، عن الطبقات الكبرى ج6، ص78.