هو حجه يقدم على خبر الآحاد وعلى القياس، وهو قول الإمام مالك - رضي الله عنه -، واستدل على ذلك بأن المدينة هي دار هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبها نزل القرآن، وإقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأهل المدينة هم أعرف الناس بالتنزيل، وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ينزل إليه من وحي، وعملهم المتوارث يشبه المتواتر الفعلي؛ ولأجل هذه المميزات فإن الحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه؛ لذا يقدم على خبر الآحاد والقياس، وبذلك كتب الإمام مالك - رضي الله عنه - إلى الليث بن سعد - رضي الله عنه - فقال له: (إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن) ، وكان مالك - رضي الله عنه - يلوم كلّ فقيه لا يأخذ بعمل أهل المدينة، وكان - رضي الله عنه - يرى أن روايةَ جماعة أولى من رواية فرد عن فرد، وكان يرى أنه إذا جاء خبر الواحد مخالفًا لعمل أهل المدينة يره منسوخًا بعملهم على الراجح (1) .
فعمل أهل المدينة من أصول مذهب مالك - رضي الله عنه -؛ لأن الرأي المشهور المعمول به في المدينة سنة مأثورة مشهورة، والسنة المشهورة مقدمة على أخبار الآحاد.
ويظهر أن ذلك المنهاج لم يبدأ به مالك - رضي الله عنه -، فقد رأينا ربيعة الرأي شيخه يذكر ذلك المنهج فيقول: (( ألف عن ألف خير من واحد عن واحد ) ). ولقد قال مالك - رضي الله عنه: قد كان رجال من أهل العلم والتابعين يحدثون بالأحاديث، فيقول: ما نجهل هذا، ولكن مضى العلم على غيره.
(1) القطان، التشريع والفقه الإسلامي، ص222، أبو العينين، تاريخ الفقه، ص133، وعلي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، تاريخ التشريع الإسلامي، ص114.