الصفحة 103 من 439

هو حجه يقدم على خبر الآحاد وعلى القياس، وهو قول الإمام مالك - رضي الله عنه -، واستدل على ذلك بأن المدينة هي دار هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبها نزل القرآن، وإقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأهل المدينة هم أعرف الناس بالتنزيل، وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ينزل إليه من وحي، وعملهم المتوارث يشبه المتواتر الفعلي؛ ولأجل هذه المميزات فإن الحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه؛ لذا يقدم على خبر الآحاد والقياس، وبذلك كتب الإمام مالك - رضي الله عنه - إلى الليث بن سعد - رضي الله عنه - فقال له: (إن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن) ، وكان مالك - رضي الله عنه - يلوم كلّ فقيه لا يأخذ بعمل أهل المدينة، وكان - رضي الله عنه - يرى أن روايةَ جماعة أولى من رواية فرد عن فرد، وكان يرى أنه إذا جاء خبر الواحد مخالفًا لعمل أهل المدينة يره منسوخًا بعملهم على الراجح (1) .

فعمل أهل المدينة من أصول مذهب مالك - رضي الله عنه -؛ لأن الرأي المشهور المعمول به في المدينة سنة مأثورة مشهورة، والسنة المشهورة مقدمة على أخبار الآحاد.

ويظهر أن ذلك المنهاج لم يبدأ به مالك - رضي الله عنه -، فقد رأينا ربيعة الرأي شيخه يذكر ذلك المنهج فيقول: (( ألف عن ألف خير من واحد عن واحد ) ). ولقد قال مالك - رضي الله عنه: قد كان رجال من أهل العلم والتابعين يحدثون بالأحاديث، فيقول: ما نجهل هذا، ولكن مضى العلم على غيره.

(1) القطان، التشريع والفقه الإسلامي، ص222، أبو العينين، تاريخ الفقه، ص133، وعلي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، تاريخ التشريع الإسلامي، ص114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت