إن الصواب أن يقال في التأويل: إنه السكين الذي تذبح به الحقيقةُ، وهو الآلةُ التي يُهْدَمُ بها أصلُ الدين فاتقِ الله يا د. عمر.
أما الجويني وحيرتُهُ:
فهذا مشهور، وتعظيمه لطريقة السلف ظهرت في كتاب (( الغياثي ) )، وهو من أواخر كتبه، بل ألفه بعد النظامية لأنه أحال فيه عليها، وقد أوصى فيه مغيث الدولة (( نظام الملك ) )قائلًا: (( والذي أذكره الآن لائقًا بمقصود هذا الكتاب أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين، قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء، وكانوا - رضي الله عنهم - ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون - رضي الله عنهم - عما تعرض له المتأخرون عَنْ عِيٍّ وَحَصَرٍ، وَتَلَبُّدٍ في القرائح، هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق أذهانًا، وأرجَحَهُمْ بيانًا... ) ) (1) .
ولما دخل عليه الهمذاني وهو يُقَرِّرُ نَفْيَ العلوِ فذكر له الضرورة التي في النفوس في طلب العلو لا يمنة ولا يسرة، بكى حتى أَخْضَلَ لِحيته قائلًا: حيرني الهمذاني وهي قصة مشهورة صحيحة (2) .
وحكى أبو الفتح الطبري أنه دخل على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا عليَّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأَني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور (3) .
(1) غياث الأمم في التياث الظلم (ص190-191) .
(2) العلو للذهبي ص188، سير أعلام النبلاء (18/474-475 ، 477) ، وقال عنها الألباني:إسناد هذه القضية صحيح مسلسل بالحفاظ، كما في مختصر العلو ص277.
(3) السير، (18/474) .