ويشرح شيخ الإسلام سبب كونهم أعلم وأحكم فيقول: (( وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم، وأن مخالفيهم أحق بالجهل والحشو، فنبين ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول، كما قال الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [سورة فصلت: آية 53] ، فأخبر أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق، ثم قال: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [سورة فصلت: آية 35] ، أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم، فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقًا أخرى، مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة، والمكاشفة والمخاطبة والوجد، والذوق ، ونحو ذلك، وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها، فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا، وأسدهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأقومهم جدلًا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهامًا، وأحدهم بصرًا ومكاشفة، وأصوبهم سمعًا ومخاطبة، وأعظمهم وأحسنهم وجدًا وذوقًا، وهذا هو للمسلمين بالسنة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل، فكل من استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحد وأسد عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك مُمَتَعِين؛ وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه، قال الله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} [سورة محمد: آية 17] ، وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيما ولهديناهم صراطًا مستقيما} [سورة النساء: آية 66-68] ) )أهـ (1) .
(1) نقص المنطق (ص:7-8) .