الصفحة 237 من 250

و (( المماسة ) (( الانتقال ) )إن إثبات (( اليد ) )لله تعالى تقتضي أنها كما يليق بجلاله لإضافتها له سبحانه، كما أن الاستواء هو صفة تليق بالله، وأما قولك منكرًا: (( والاستواء الذي هو جلوس أو استقرار ومماسة ) )فأيضًا يظهر أنك لم تفهم مذهب السلف، فإنهم لا يصفون الله إلا بما يصف به نفسه، فإثبات مَنْ أثبت (( الاستواء ) )وَعَقَّبَ ذلك بقوله ليس بقعود ولا استقرار، هو دال على أنه وقع في التشبيه، فظن أنه سبحانه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفُلْكِ والأنعام فيتخيل له أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستويِ على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستويِ عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستويِ عليها، فقياس هذا عنده أنه لو عُدِمَ العرشُ لسقط الرب سبحانه وتعالى، ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك؛ فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويًا ولا مستقرًا ولا قاعدًا وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تَحكُّمٌ .. وكأن هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش حيث ظن أنه مِثْلَ استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفُلْكِ، وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأييد، كما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك، فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق، ولا عامًا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مِثْلَ ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة (1) .

(1) مجموع الفتاوى، (الرسالة التدمرية) ، 3/49 ، 50 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت