الصفحة 201 من 250

ويلاحظ أن مَنْ نفى الحكمةَ والتعليلَ - كالأشاعرة- دفعه ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب والقدرة غير المؤثرة للعبد. ومن أثبت حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة.

أما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر- كما سيأتي إن شاء الله- .

والأشاعرة الذين نفوا الحكمة والتعليل، واحتجوا على مذهبهم بعدة حجج أهمها:

أ- أن ذلك يستلزم التسلسل، فإنه إذا فعل لعلة، فتلك العلة أيضًا حادثة فتفتقر إلى علة، وهكذا إلى غير نهاية وهو باطل.

وقد رد شيخ الإسلام على هذه الحجة من وجوه:

1-يقال لهم في الحكمة ما يقولونه هم في (( الفعل ) )وذلك بأن يقال لهم: (( لا يخلو إما أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع، أو لا يمكن ذلك. فإن جاز أن يكون قديمَ العينِ أو قديمَ النوعِ، جاز في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون قديمةَ العينِ أو قديمةَ النوعِ ) ) (1) . ويلاحظ هنا أن القول بأن الفعل قديمُ (( العينِ ) )هو قول الفلاسفة، ومعلوم أن الفلاسفة نفاةٌ للحكمة - فهم موافقون للأشاعرة في هذا- فهذا الإلزامُ صالحٌ لهم. ومن قال هذا ممتنعٌ - أي قِدَمَ العينِ أو النوعِ في العقلِ- قيل وكذلك الحكمة يمتنع تسلسلها، (( وإن لم يمكن أن يكون الفعل لا قديم العينِ ولا قديمَ النوعِ، فيقال إذا كان فعله حادث العين والنوع، كانت حكمته كذلك ) ) (2) .

فتبين أن معنى كونه تعالى يفعل لحكمة (( كأنه يفعل مرادًا لمرادِ آخر يحبه، فإذا كان الثاني محبوبًا لنفسه، لم يجب أن يكون الأول كذلك، ولا يجب في هذا تسلسل ) ) (3) .

(1) شرح الأصفهانية (ص: 363-364) - تحقيق السعوي.

(2) المصدر السابق (ص: 364) .

(3) المصدر نفسه، ونفس الصفحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت