الصفحة 179 من 250

والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلًا، فقال: الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وُجُوهُهُ واعتباراتهُ على جهة الحدوث فقط، بل هاهنا وجوه أُخُر هُنَّ وراء الحدوث من كون الجوهر جوهرًا متحيزًا، قابلًا للعرض، ومن كون العرض عرضًا، ولونا، وسوادًا، وغير ذلك ... قال: فجهة كون الفِعِل حاصلًا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبةٌ خاصةٌ، ويسمى ذلك كسبًا، وذلك هو أَثرُ القدرةِ الحادثةِ ... فأثبت القاضي تأثيرًا للقدرةِ الحادثةِ وأثرها...

ثم إن إمام الحرمين (( أبو المعالي الجويني ) )تخطى عن هذا البيان قليلًا، قال: أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحِسُّ، وأما إثباتُ قدرةٍ لا أَثَرَ لها بوجه فهو كَنَفْيِ القدرة أصلًا، وأما إثباتُ تأثيرٍ في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير، خصوصًا والأحوالُ على أصلهم لا توصف بالوجود والعدم، فلابد إذن من نسبةِ فِعْلِ العبدِ إلى قدرته حقيقةً لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضًا عدم الاستقلال.... )) (1) . فهذا النص - عن الشهرستاني - يوضح كيف أن قول الأشاعرة في أفعال العباد لم يثبت على قدم الاستقرار، ولم يكن مقنعًا لكبار علمائهم الذين بحثوا هذه المسألةَ، ويلاحظ في عرض هذا التطور لمذهب الأشاعرة أنهم يسيرون نحوَ القولِ الحقِّ الذي يقول به أهل السنة والجماعة مع العلم بأن الذي استقر عليه مذهبُ الأشاعرة موافقٌ لما قالوه أولًا، والذي ذكر الشهرستاني أنه قول أبي الحسن الأشعري، وأنه لا تأثير للقدرة الحادثة (2) .

(1) الملل والنحل، للشهرستاني (1/96-99) ، وانظر: نهاية الأقدام له (ص: 72-78) ، وانظر: مذهب الإسلاميين: عبد الرحمن بدوي (1/557-561) .

(2) موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود 3/1337.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت