وهذه العبارة هي خاتمةُ إلزاماتٍ ألزم الرازيُّ بها المعتزلة بحلول الحوادث لصفة المريدية والكارهية في ذات الله، وألزم الأشعرية بذلك بإثباتهم النسخ بكونه رَفْعًا للحكمِ الثابتِ، وبقولهم بِتَعَلُّقِ العلمِ بما سيقعُ، بأنه سيقعُ وزوال التعلق بعد وقوعه، وبقولهم نحو ذلك بتعلق القدرة بالخلق قبل وبعد حصوله، وكذلك رؤية الموجود بعد أن لم يكن مرئيًا حال عدمه، ثم عرج على الفلاسفة وختم بالعبارة السابقة.
ولما ذكر الرازي في هذا الكتاب (( كلام الله تعالى ) )ذكر الحجةَ النقليةَ والعقليةَ على الحدوثِ بتفصيلٍ معهودٍ مِنْهُ، ولما جاء إلى الجواب أجمله إجمالًا مخلًا حتى إن محقق الكتاب تعجب من ذلك (1) حيث إنه في نفس الوقت قد ذكر الرازي في (( المطالب العالية ) )أن قول من قال إنه تعالى متكلم بكلام يقول بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلًا وعقلًا وأطال في تقرير ذلك، ونقله الحافظ عنه في الفتح (2) .
فهذا من أمثلة الاضطرابات عند المتكلمين، وقد بين شيخ الإسلام سبب هذا الاضطراب وأرجعه إلى عدم معرفتهم بأقوال السلف، وبحثهم البحث المطلق بحيث يرجح في كل حال ما يظهر له بغض النظر عن مذهب فلان أو غيره.
يقول شيخ الإسلام: (( وصار طائفة أخرى قد عرفت كلام هؤلاء وكلام هؤلاء كالرازي والآمدي وغيرهما- يصنفون الكتب الكلامية، فينصرون فيها ما ذكره المتكلمون المبتدعون عن أهل الملة من (( حدوث العالم ) )بطريقة المتكلمين المبتَدَعَةِ هذه، وهو امتناع حوادث لا أول لها، ثم يصنفون الكتب الفلسفية كتصنيف الرازي (( المباحث الشرقية ) )ونحوها؛ ويذكر فيها ما احتج به المتكلمون على امتناع حوادث لا أول لها، وأن الزمان والحركة والجسم لها بداية، ثم ينقض ذلك كله، ويجيب عنه، ويقرر حجة مَنْ قال: إِن ذلك لا بداية له.
(1) الأربعين، (1/257) .
(2) الفتح، (13/455) .