والخلاصة: أنه يمكن أن يقال: إن الناس يولدون على الفطرة السليمة التي لو تركت مع صحتها لاختارت المعرفةَ على الإنكار، والإيمانَ على الكفر، وأن هذه المعرفة لا تتوقف على أدلة يَتَعَلمَها من خارج بل يلزم حصول المعرفة فيها بدون ما تسمعه من أدلة المعرفة، ولاقتضاء الفطرة للمعرفة كاقتضائها للأكل، فالطفل مفطور على أنه يختار شرب اللبن بنفسه، فإذا تمكن من الثدي لزمه أن يرتضع لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرتضع، فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية له لا محالة إذا لم يوجد المعارِض، والنبي صلى الله عليه وسلم شبه اللبن بالفطرة، لَمَّا عُرِضَ عليه الخمر واللبن، واختار اللبن فقال له جبريل أصبت الفطرة ولو اخترتَ الخمرَ لَغَوَتْ أمتك (1) .
ففي الفطرة قوةٌ موجبةٌ لحبِ الله والذلِّ له وإخلاصِ الدينِ له وأنها موجبةٌ لمقتضاها إذا سلمت من المُعَارِضِ، كما أن فيها قوةً تقتضي شربَ اللبن الذي فُطِرَتْ على محبته وطلبه (2) .أ هـ من كلام شيخ الإسلام.
أما أن يقال كما قال الدكتور عمر: أنها الاستعداد، وأنها تعين بعض الناس على معرفة الله لا أنها موجبة للمعرفة، فباطل، لأن الطفل لا يولد وعنده استعداد وإعانة لشرب اللبن، ولا يمكن أن يختار غيره، بل ليس له إلا الارتضاع الفطري، فكذلك ليس له إلا معرفة الله فإن كان أبواه مسلمين، فهو مسلم على الفطرة الموجبة لمعرفة الله ومحبته ورعايته.
يا دكتور عمر: هلا تأنيت وسألت قبل أن تُصْدِرَ كتابك!!.
(1) أخرجه البخاري، في كتاب:التفسير، باب: قول الله تعالى: {أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام} (8/391-ح4709) ومسلم في الأشربة باب جواز شرب اللبن (3/1592-ح168) .
(2) العقل والنقل: (8/448، 449) .