يبين ذلك أنه لو سباه كفار، لم يكن معه أبواه ولم يَصِْر مسلمًا، فهو هنا كافر في حكم الدنيا، وإن لم يكن أبواه هوداه ونصراه ومجساه.
فعلم أن المراد بالحديث أن الأبوين يلقنانه الكفر ويعلمانه إياه. وذكر صلى الله عليه وسلم الأبوين، لأنهما الأصل العام الغالب في تربية الأطفال، فإن كل طفل غُيِّر فلا بد من أبوين، وهما اللذان يربيانه مع بقائهما وقدرتهما، بخلاف ما إذا ماتا أو عجزا لِسَبْيِ الولد عنهما أو غير ذلك.
ومما يُبينُ ذَلك قوله في الحديث الآخر: (( كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإما شاكرًا وإما كفورا ) ) (1) . فجعله على الفطرة إلى أن يعقل ويميز، فحينئذ يثبت له أحد الأمرين، ولو كان كافرا في الباطن بكفر الأبوين، لكان ذلك حين يولد، قبل أن يُعرب عنه لسانُه.
وكذلك قوله في الحديث الآخر الصحيح، حديث عياض بن حمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (( إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وَأَمرتْهُمْ أن يشركوا بي ما لم أُنزل به سلطانا ) ) (2) ، صريح في أنهم خُلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم وحرَّمتْ عليهم الحلال وأمرتْهم بالشرك، فلو كان الطفل يصير كافرًا في نفس الأمر من حين يولد، لكونه يتبع أبويه في الدين قبل أن يُعَلِّمَه أحد الكفرٌ ويلقنَهُ إياه، لم يكن الشياطين هم الذين غيَّروهم عن الحنيفية وأمروهم بالشرك، بل كانوا مشركين من حين وُلدوا تبعًا لآبائهم (3) .
(1) رواه أحمد في المسند (3/353 ، 435) ، (4/24) .
(2) أخرجه مسلم في الجنة، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهلُ الجنة وأهلُ النار (4/2197-ح2865) ، ومعنى اجتالتهم: أي استخفُّوهم فذهبوا بهم وصالوا معهم في الباطل.
(3) العقل والنقل، (8/431-432) .