وأما المذهب المتوسط فذكره وسأذكره ملخصًا بعد هذا، وقال القرطبي في المفهم: في شرح حديث (( أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِمُ ) )الذي تقدم شرحه في أثناء (( كتاب الأحكام ) )وهو في أوائل (( كتاب العلم ) )من صحيح مسلم: (( هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعةَ الحق وَرَدَّهُ بالأوجه الفاسدة والشبه الْمُوهِمَةِ، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية، أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شُبَهٌ ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمائها ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها الْبُلْهُ ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها واتحادها في نفسها، وهل هي الذات أو غيرها، وفي الكلام: هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني: هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثًا، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا وهو نفس الأمر لعمرو بالزكاة، إلى غير ذلك مِمَّا ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم، بل نهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تُعْلَمُ كيفيتُهُ بالعقل، لكون العقول لها حد تقف عنده، ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان حُجِبَ عن كيفيةِ نفسهِ مَعَ وُجُودِهَا، وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم