وأما قولهم (( محمد رسول الله ) )فإنهم جعلوا تصديق الرسول يتوقف على بحوث عقلية عقيمة حتى يتأولوا من أقواله ما يتأولونه، ويردوا منها ما يردُّونه، تارة بتقديم ما يسمى (( العقل ) )عليه، وتارة بالتمسك بالمجاز، وتارة بقولهم بأن النصوص آحاد لا تفيد اعتقادًا وأن الاعتقاد هو ما يقررونه بعقولهم لا غير.
ولو تصورنا أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: ما جئتنا به من الحكمة والهدى لا نقبله منك حتى نعرضه على عقولنا، فما وافق عقولنا وهي الأصل الذي به صدقناك أخذنا به، وإلا فنحن نُعْرِضُ عما تقول ونلتمس الهدى في غيره من أصول عقلية ورثناها عن الفلاسفة وأذنابهم، وهم الشيوخ لنا في ذلك فهل مثل هذا الرجل مؤمن بالنبي وهل يرضى النبي منه ذلك، فما فعل الأشاعرة بنصوص الهدى التي جاء بها النبي، أولوها بِوَحْشِيِّ الألفاظ وغريب الكلمات. وأعرضوا عنها جميعًا فماذا بقي لهم من الإيمان برسول الله؟ فإن قلت إنهم أثبتوا أنه نبي قيل لك فهل هذا كاف، إن اليهود كانوا يثبتون أن محمدًا نبي بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل ومشركو قريش قال الله عنهم {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} [الأنعام، آية: 33] .
وأبو الجن اللعين كان يعرف أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - نبي، فهل هذا هو الإيمان؟؟ لكن كل هذا فرع عن اعتقاد الأشاعرة في تصورهم للإيمان، فهم قد تابعوا الجهم في جعلهم الإيمان هو التصديق على نحو ما قال الجهم بأنه هو المعرفة، ولم يدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، وفي هذا الاعتقاد الفاسد يقول ابن القيم في النونية:
فاسأل أبا جهل وشيعته مَنْ
ج ... والاهمُ من عابدي الأوثان
وسل اليهود وكل أقلف مشركٍ
ج ... عبد المسيح مُقَبِّل الصلبان
واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم ... أعداء نوح أمة الطوفان
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ ... خلاق أم أصبحت ذا نكران