إن تنافذ الحضارة ضرورة حتمية ومعنى التنافذ كما قال الفيروز آبادي: النفاذ: جواز الشيء والخلوص منه، ونفذ القوم: صار منهم، والوسيط يقول: أَنْفَذَ القَومَ: خرقهم ومشى وسطهم. لهذا فاللغات والثقافات والحضارات المختلفة لا يمكن إلا أن تتأثر بالعالم وما فيه من تطور وتجديد. بيد أن الأمم العريقة في حضارتها الواعية بالثوابت الفكرية والجذور الأصلية هي التي تحتوي الجديد وتحافظ على أصالتها ومتانة جذورها، فقد استعمرت الدول الأوربية الوطن العربي ونشرت لغاتها ورعت المتكلمين بها بعناية كبيرة، لكن اللغة العربية بقيت حية ولم تندثر كما اندثرت لغات كثيرة.
ثم جاء العصر الحديث ومعه الاستثمار والاقتصاد وبراعة الآلات وقوة الشركات التي وفدت إلى بلادنا واحتاجت إلى أيدٍ عاملة وإدارة فاعلة لهذه الشركات، وكان شبابنا بحاجة إلى العمل فيها فسارعوا إلى تعلم اللغة الأجنبية للاستفادة من فرص العمل المتاحة التي تفرضها متطلبات العمل فيها بعد أن سيطرت الرأسمالية بقوة على السوق، ولست ضد تعلم اللغات الأجنبية، وقد درسناها وعايشناها واحتويناها دون أن نبهر بتطورها وحياتها المادية؛ لأننا تعلمناها بعد أن استوت لغتنا على سوقها وقويت الثوابت بجذورها في عقولنا.