والكتَّاب. وكان لبعض خلفاء الدولة الإسلامية دور في إرساء دعائم العربية في تلك الأقطار بما اتبعوا من أساليب تعريب الدواوين، وإسناد مسؤولياتها إلى عرب أو من يجيدون العربية، وكان للذميين من هؤلاء مكان في الوظائف الرسمية، حتى جاء عمر بن عبد العزيز، الذي أمر ولاة الأقاليم بألا يولوا أمور المسلمين أحدًا من أهل الذمة، فانصهر جلُّهم في الإسلام إما عن قناعة ورغبة، وإمَّا خوفًا من ضياع فرص العمل التي تحصلوها، إضافة إلى مشروعه المتضمن إلغاء ضريبة الرؤوس على غير المسلمين إذا هم اعتنقوا الإسلام ومقولته في هذا الخصوص مشهورة:"إنَّ الله إنما بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هاديًا ولم يبعثه جابيًا".
وإذا كان القرن الأول الهجري قرن توطين للإسلام في البلاد المفتوحة، فإنه قرن ازدواج لغوي أيضًا في تلك البلدان، وقرن صراع بين الثقافات تفوقت فيه العربية أحيانًا في مكان، وعجزت في آخر بحسب ثقافة الشعوب وقلة الوافدين العرب إليها، وبمقدار قوة الإسلام أو ضعفه فيها، وقد استمر الصراع اللغوي، وتذبذب الألسنة بين لغة الدين والعبادة، وبين لغة الثقافة الأصلية، وواجهت العربية صعوبات كبيرة حتى سيطرت في النهاية على النشر والإبداع الأدبي والديني، ولم ينته القرن الهجري الثالث حتى كانت العربية هي اللغة الرسمية في معظم البلاد الإسلامية وظهرت سيطرتها على تلك اللغات التي أخذت تنحسر شيئًا فشيئًا، وتنزوي في الجبال والأودية البعيدة عن العمران، وقد ظهر مؤلفون وكتاب من غير العرب فحملوا لواء الثقافة الجديدة مع احتفاظ بعضهم بلغته الأصلية، وتخلي بعضهم الآخر عنها، حتى عدَّ بعضهم من الفصحاء ومن ذوي اللسانين.