وكثيرةٌ هي المواقف التي كَشَفَتْ عن اعتزاز العربي بلغته، وإدراكه لِما لها من أثر فعّال في النفوس إنْ سلمًا
وإنْ حربًا، فعلى مر عصور العرب وجدنا الأديب العربي لسانَ حال قومه ورسولهم المسجل لفضائلهم، المذيعَ لأخبارهم، المتغني بمفاخرهم، ففي الجاهلية مثلًا وجدنا هند بنت عتبة زوج أبي سفيان تقف والنساء خلف الرجال في المعارك يضربن بالدفوف، ويحرِّضْنَهم، فقالت هند فيما تقول الرواية:
ويهًا بني عبدِ الدار ... ويهًا حماةَ الديار
ضربًا بكل بَتّار
وقالت أيضًا:
إن تُقبلوا نُعانق ونفرشُ النمارق
أو تدبروا نفارق فراقَ غيرِ وامِقْ" (1) "
... ... ومن بعدُ قرأنا القائد العربي الفذ صلاح الدين الأيوبي يخاطب جنده، مبينًا لهم أثر الكلمة في انتصاراته على الأعداء، قال:"لا تظنوا أني ملكتُ"
البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل". وبلغ"
من تقديره له، واعتماده عليه أنْ جعله
له وزيرًا لا يستغني عنه، ولا يفارقه في سلمٍ أو في حرب" (2) ."
... ... وما خبر إدراك تأثير الكلمة في عصرنا إلا واضح جلي فيما نشهده في الحرب الإعلامية بين الدول، والدعايات التجارية ترويجًا لبضاعةٍ ما، وانظر موقف طائفة من البرلمانيين الإسرائيليين إزاء إدخال بعض قصائد الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش في المقررات الدراسية الإسرائيلية.
... إن اللغة وسيلة مهمة للأمة في سلمها وحربها، وهي عنصر مهم في إحداث التآلف وتقوية الروابط بين المتحدثين بها، فمتى اجتمعت جماعةٌ على لغة واحدة فقد ضمِنَتْ لنفسها أهم عناصر التقارب والتآلف والترابط في كثير من الأمور؛ الأمر الذي تنبهت له الدول المستعمرة سلْبًا؛ فقد وجدناها في كثير من البلدان التي