وهل ثم حاجة الآن إلى التذكير بأنه كان على سرير مرضه الأخير، ومؤتمر المجمع في دورته التاسعة والستين يناقش آخر أبحاثه التي أقرتها لجنة الأصول ومجلس المجمع، في موضوعي الجمع بين تاء التأنيث ونون النسوة عند الإسناد. ودخول الواو على ما بعد إلا، من منطلق حرصه على التيسير والتطوير؟ وكأنه يُعطينا ـ جميعًا ـ درسًا في أن الفارس الحقيقي هو من يظل يحمل رايته، منافحًا دونها حتى الرمق الأخير والنفس الأخير ولم تكن رايته إلا العربية، لغة القرآن، ولغة الإبداع، ولغة العلم، ولغة التواصل، التي عاش لها، وأعطاها كل عمره وجهده.
ها نحن أولاء: نتلفت من حولنا فلا نجده. لا نجد الإنسان الجميل الممتلئ بشرًا وإقبالًا ومودة، والعالم الجادَّ الساعي في دأب لا يعرف الكلل إلى إنجاز عمله وحمل أمانة وجوده في المجمع وفي خارج المجمع، والصديق الصدوق الذي يعرف للصداقة معناها الإنساني الرفيع، والأب المثالي والزوج الفاضل، والرفيق الأمين. لم يكن أحمد مختار عمر مجرد عالم لغوي أو عضو في مجمع الخالدين، لقد كان بمفرده مجمعًا حيًّا يسيرُ على قدمين. الآن وقد ترجل الفارس عن صهوة جواده ، تاركًا قلمه وأوراقه وميراثه الضخم من العلم والخبرة والبحث والإنجاز، فإنا لا نملك إلا أن نقول إنها إرادة الله وسُنة الله في الحياة، نودِّع الراحلين منا إلى أكرم
جوار، وندعو للقادمين من بعدهم بموفور الأجل والعطاء. ولسنا نملك له إلا الترحم والدعاء، ولأسرته الكريمة الصابرة، ولكل أصدقائه ورفاقه وزملائه وتلامذته ومريديه صادق العزاء .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .