لغوية وأدبية تتصل بالعربية والعرب وأيامهم وأخبارهم تصدروا لهذا الدرس الذي شقي به طلاب العلم، فكان مما يُحمَد عليه طلاب العلم أن يكون علمهم مأخوذًا عن شيخ من أولئك المشايخ النحارير يسمعون عنهم فيروون ما سمعوا، فكان درس وكانت"أمالٍ"يمليها"الجهابذة"الأعلام، وكانت رواية وقراءة.
وكان أن درجت أفواج من طلاب العلم على هذا السنن فأخذوا واستوعبوا ثم صنفوا الكتب ثم غَبَرَ دهرٌ فخلف بعد أولئك طلاّب جُدد لم يكن لهم أن يسمعوا كثيرًا على الشيوخ. ولم يُتح لهم أن يقصدوا بوادي الأعراب. يأخذون عن أهلها، ولكنهم تعجلوا المسيرة، ووجدوا أن طريق الأوائل مضن عسير، فلم يكن منهم إلا أن"عمدوا"إلى"صحف"المتقدمين ورسائلهم ومصنفاتهم، يقرؤونها فيفيدون منها. وكان لا بد أن يعرض
لهؤلاء في درسهم وقراءتهم الخطأ بسبب من التشابه في رسم الحروف، وبسبب ما يكون من"الإعجام"و"الإهمال"، وبسبب ما يعرض من الخطأ الذي مردّه الأبنية الصرفية والموقع النحوي الإعرابي للكلمة في موضعها. ومن هنا كان هذا الخطأ الذي يتصل بالرسم و"الإعجام"و"الإهمال"قد أخذ اسمه من مادة"صحف"فكانوا يأخذون العلم من"الصحف"و"الكتب"ولم يسمعوه من شيخ رواية ودراية. وصار هذا الذي لم ينل العلم عن طريقه الذي درج عليه المتقدمون
من أهل العلم"مصحِّفًا"؛ أي مرتكبًا للتصحيف وهو الخطأ. وقديمًا قالوا: لا يؤخذ العلم من"صحفي"وهو الذي عوّل على"الصحف"في تلقّيه للعلم، وقد ذمّوا"المصحَّف"بتشديد الحاء ونبزوه، ومن هنا نفهم قول أبي نواس في رثائه لخلف الأحمر:
تروغ في الطُّبَّاق والنزع الأَلَفْ
أودَى جماع العلم مُذ أودَى خَلَفْ
من لا يُعدُّ العلْمُ إلاّ ما عَرَفْ
قَلَيْذَمٌ من العَيالِيم الخُسُفْ
فُكلَّما نَشَاءُ مِنْهُ نَغْتِرفْ
روايةً لا تُجتَنى من"الصُحُفْ" (*)
أقول: هذه نبذة تاريخيه موجزة تتصل بـ"الصحف"وما كان من أمرها لدى الدارسين الأوائل .