فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 4462

... فابن سينا إذن لم يتعلم اللغة والنحو إلا بعد أن صار وزيرًا، فنبع في هذين العلمين كما نبغ في غيرهما من العلوم. أما نحن، أبناءَ العربية، فإننا في هذا الزمن العجيب نبدأ بتعلم العربية: شعرِها ونثرِها ونحوها، منذ نعومة أظفارنا ونقضى في ذلك السنوات بعد السنوات، ثم نخرج من كل ذلك بخُفَّىْ حُنَيْن، بل لا يكاد كثير منّا يخرج حتى بهما!

... وإذا كنا قد تأثرنا بنظرياتٍ في تعليم اللغة مما عند غيرنا، ومما لا يتفق وطبيعةَ لغتنا وخصائصَها، ومما هو عندهم أكثره من التجارب التى يحصرون تطبيقها في مدارس تجريبية محدودة، وقد يرجعون عنها، ولكنها تظلّ عند بعض الطلبة الذين يدرسون هناك منّا، حقائقَ ثابتة يروِّون لها حين يعودون إلينا على أنها أحدث النظريات التى ستُصلِح حال التعليم في بلادنا، ومرة أخرى أقول"بعض"ولا أُعمّم…وإذا كان كل ذلك قد زاد أحوالنا سواءً ا، ومعرفتَنا بلغتنا ضعفنًا، فهل جرّبنا أن نولّى وجوهنا شطرَ ثقافتنا، وأن ندرس وسائل التعليم فيها وأساليبه ومصادره، وهى كلّها واحدة أو تكاد، من أقصى بلاد المسلمين في الغرب إلى أقصى بلادهم في الشرق ، وعلى امتدادها في الشَّمال وفى الجنوب، على مدى ثلاثة عشر قرنًا. وقد استطاعت هذه الثقافة أن توحِّد بين المسلمين على اختلاف أصقاعهم، وأن تزوّدهم بالعلم الدينى والدنيوى، وبالمعرفة المتطورة الأدبيةِ واللغوية والعلمية، النظرية والتطبيقية التى جعلت منهم أساتذة العالم قرونًا متطاولة، وأحلَّتْهم منزلةً عالية في تاريخ العلم والحضارة، حين كانوا يجمعون بين أصالة المنهج والفكر والانفتاح على معارف الدنيا من حولهم، دون خوف ولا تردّد، يأخذون منها ما يناسبهم وما يحتاجون إليه، فيتمثّلونه ويهضمونه حتى يصبح جزءًا من ثقافتهم فيزيدها أصالةً وخصبًا وقدرة على العطاء. ثم أخذت هذه الثقافة بالجمود والضمور والانغلاق واجترار ذاتها حتى نَفِدَ ما عندها، فعزلتها المدارس الحديثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت