تَأمُّلُ المَرْءِ فِي عاقِبَةِ ما يَصْنَعُ مِن أَوْجَبِ الواجِباتِ؛ إِذِ المَطْلُوبُ حُصُولُ المُقْصُودِ بِأَيْسَرِ التَّكالِيفِ، أَما التَّعَلُّقُ بالمَقاصِدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَن القُدْرَةِ علَى السبَبِ!؛ أوِ التَّيْسِيرِ فِيهِ؛ فَمِنْ شَانِهِ أنْ يَنْقِطِعَ مَعَهُ المَرْءُ عَنْ بُلُوغِ الغايَةِ، وهَذا راجِعٌ إلَى فِقْهِ السَّبَبِ؛ وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: إلَى فِقْهِ الوَسِيلَةِ، وإِنّما يَقَعُ للدّاعِيَةِ بأُمُورٍ:
-رَاسُها: خَوْفُ اللهِ تَعالَى؛ وتَقْواه، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ الكَلِمَةَ مِنْهُ لَيْسَتْ كَالكَلِمَةِ مِن غَيْرِهِ، {ولِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} .
-ومِنْها: رَحابَةُ العِلْمِ؛ والتَّوَسُّعُ فِي الاطِّلاعِ علَى مَسائِلِهِ؛ فَإِنَّنِي لَمْ أَرَ فِي الناسِ أَضْيَقَ صَدْرًا مِمَّنْ يَتَشَبَّثُ بالقَوْلِ ولا يَعْرِفُ سِواهُ، فَمَثَلُهُ مَثَلُ المُقَلِّدِ الذِي نَشَأَ وهَرِمَ علَى القَوْلِ بِأنَّ رَفْعَ اليَدَينِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وعِنْدَ الرفْعِ مُبْطِلٌ للصَّلاةِ! - وهُو زَعْمٌ قالَ بِهِ قَوَّامُ الدِّينِ مِن عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ -، فَلَوْ جِئْتَهُ بِألْفِ دَلِيلٍ علَى بُطْلانِ ذلكَ لَم يَرْفعْ بِهِ رَأسًا!؛ إلا أنْ يَشاءَ الله.
-ومِنْها: رَحابَةٌ فِي الصدْرِ هِيَ فَرْعٌ عَمّا سَبَق.
-ومِنْها: التَّبَحُّرُ فِي مُطالَعَةِ كُتُبِ السِّيرَةِ علَى صاحِبِها صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ، وقَدْ قالَ الإمامُ أَبُو حامِدٍ المَرْوَزِيُّ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: السِّيرَةُ بَحْرُ الفُتْيا وخِزانَةُ القَضاءِ، وعلَى قَدْرِ اطِّلاعِ الفَقِيهِ علَيْها يَكُونُ اسْتِنْباطُهُ.
-ومِنْها: الاعْتِبارُ بِحَوادِثِ التارِيخِ؛ فَقدْ قِيل: تَجارِبُ المُتَقَدِّمِينَ مَرايا المُتَأَخِّرِين. ويَأتِي إن شاءَ الله.
-ومْنْها: حِكْمَةٌ عَمِلِيَّةٌ هِي ثَمَرَةُ طُولِ الخِبْرَةِ والمِراسِ بالدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تَعالَى والعَملِ لدِينِ الإسْلامِ، والناسُ يَتَفاوَتُونَ فِي هَذا تَفَاوُتًا كَثِيرًا، ومِن أحْسَنِ الأَبْوابِ لِتَحْصِيلِ هَذا التَّغَرُّبُ عَن الأَوْطانِ فِي طَلَبِ الفَضائلِ والمَعالِي؛ ومُجالَسَةُ أكابِرِ الناسِ وعِلْيَةِ أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ، وأَجْمَعُ ما يَكُونُ ذلكَ فِي الهِجْرَةِ والجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إذا اجْتَمَعَ للمَرْءِ مَعَهُما الشغَفُ بِالعلْمِ ورُزِقَ مَعَ ذلكَ التَّواضُعَ فِي طَلَبِهِ؛ فَإنَّ فِيهِما مِن الحَرَكَةِ بِهَذا الدِّينِ ما لَيسَ فِي غَيرِهما من العِباداتِ، ولَو تَتَبَّعْتَ تَراجِمَ أكابِرِ العُلَماءِ والمُصْلِحِينَ فِي أُمِّةِ المُسْلِمِينَ وجَدْتَ لَهُمْ مِمَّا ذكَرْناهُ أَوْفَرَ نَصِيب!.
وَلاَ يَصِحُّ أنْ يُجابَ عن هَذا بِسُنَّةِ الابْتِلاءِ؛ وقِلَّةِ أهْلِ الحَقِّ فِي مُقابِلِ أَهْلِ الباطلِ؛ وفَسادِ الزّمانِ، ونَحْوِهِ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فِي مِثْلِهِ، لأَنَّ الواجِبَ احْتِمالُهُ والصبْرُ علَيهِ هُو الابْتِلاءُ مَعَ العِلْمِ، أَمَّا مَعَ الجَهْلِ وقِلّةِ الدُّرْبَةِ والدِّرايَةِ فَإِنَّهُ مِن الآصارِ والأَغْلالِ التِي وَضَعَها عَنّا الشَّرْعُ، ولا تَكْلِيفَ إِلاَّ بِما جاءَ بهِ.
وعَلَى مَن أَرادَ مِن العُلَماءِ والدُّعاةِ أنْ يَقُومَ بَأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصالِحِ المُسْلِمِينَ أنْ يُشاوِرَ أَهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِمَّنْ يَثِقُ بِدِينِهمْ وإِنْصافِهِمْ وأَمانَتِهِمْ، أمّا التَّفَرُّدُ بالرَّاي فِي أَمْرٍ تَلْحَقُ تَبِعاتُهُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ؛ ثُمَّ مُطالَبَتُهُمْ بِتَحَمُّلِ الثِّمارِ والتَكالِيفِ - وَرُبَّما كانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَحْكَمُ رَايًا وأَصْوَبُ قَولًا - فَما هُو بالنَّصَفَةِ والله، وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم} ؛ وأَوْلَى الناسِ بِهَذا هُمْ أَهْلُ العِلْمِ والفَضْلِ، وفِيما ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيْهِ مِن الأَدِلَّةِ علَى ذلكَ ما أَرْجُوا أنْ يَتّسِعَ لَهُ وللتّفْصِيلِ فِي البابِ مَوْطِنٌ آخَرُ، وباللهِ التَّوْفِيق.