_ ومِنْهُ: أَنْ يَتَدَرَّجَ فِي تَعْوِيدِ نَفْسِهِ علَى اخْتِلافِ الأَطْعِمَةِ باخْتِلافِ الناسِ والأَمْكَنَةِ، فَإنَّهُ يَقِيهِ إنْ شاءَ اللهُ كَثِيرًا منَ المَرَضِ، ويَزِيدُ قُوَّةَ المَناعَةِ فِي الجَسدِ، وفِي هَدْي النَّبِي صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ إِذْ كانَ يَاكُلُ مِن الطعامِ ما حَضَرَ!؛ إشارَةٌ إلَى هَذا، نَعَمْ؛ إنْ عافَ شَيئًا لأَنَّهُ لَمْ يَتَعَوَّدْهُ فَلا يُكْرِهْ نَفْسَهُ علَيهِ جُمْلَةً كما فِي حدِيثِ (الضَّبِّ) ، وإِنّما قَصَدْنا التَّدَرُّجَ فِي ذلك.
-ومِنْه: إنْ نَزَلَ مَوْضِعًا فَلْيُكْثِرْ من شُرْبِ مائِهِ، لكَن يَتَدَرَّجُ فِيهِ أيْضًا، فَإنّ اللهَ تَعالَى جَعَلَ الماءَ حَياةَ الجَسَدِ؛ ومِنْهُ خُلِقَ الحَي، والعِلاجُ بالماءِ وإنْ كانَ فِي أهْلِ العِلْمِ بالطبِّ من يُنادِي بِهِ اليَومَ لكِنَّهُ قَدِيم، ورَأيْتُ فِي (قِصَّةِ الحَضارة: 2/ 3/242) أنَّ مِن الأطِباءِ فِي الهِنْدِ من كانُوا يَعُدُّونَ الماءَ خَيرَ عِلاجٍ لِمُعْظَمِ الأمْراضِ. انتهى. قَلْتُ: ويقالُ فيما يَصلُحُ من نَباتاتِ الأَرْضِ للأكْلِ ما قِيلَ فِي الماءِ أيضا.
-ومِنْه: أنَّهُ إنْ عَرَضَتْ للجِلْدِ بُثُورٌ وقُرُوحٌ؛ فالطّريقَةُ لِمُعالَجَةِ ذلكَ أنْ يَجْمَعَ مِن المَوضِعِ الذي أصابَهُ فِيهِ ذلكَ ما وَجَدَهُ مِن نَباتاتِ الأَرْضِ وحَشائِشِها، فَيأخُذُ مِن كُلِّ نَباتٍ قِطْعَةً؛ ثُمَّ يُلْقِي الجَمِيعَ فِي قِدْرٍ ويغْلِيهِ بالماء، حَتّى يَذْهَبَ ثُلُثاهُ؛ ثُمَّ يَعْصِرُ النباتَ بِيَدَيهِ لِيَسْتَخْرِجَ ما فِيه، ويُصَفِي الماءَ ويَغْسِلُ مِنْهُ مَوْضِعَ القُروحِ مَرَّةَ بَعْدَ مَرَّةٍ، فَإنها تَزُولُ بِإذنِ الله.
-ومِنْهُ: وهُوَ عِلاجٌ للسُّعالِ والبَلْغَمِ؛ فَيْأخُذُ مِقْدارَ كَفٍّ من اللوزِ ويغلِيهِ بالماءِ لِيَنْزِعَ عَنْهُ قِشرَهُ الرقِيق؛ ثُم يُجَفِّفُهُ ويطْحَنُه، ثُمَّ يغْلِيهِ فِي ماءٍ نَظِيفٍ علَى نارٍ هادِئَةٍ حَتَّى يَصِيرَ الماءُ مُسْتَحْلَبًا أبْيًضَ اللونِ، ثُمّ يَسْتَعْمِلُ ماءَهُ المُصَفَّى فَيأخُذُ قَدْرَ مِلْعَقَةٍ فِي كُلِّ ساعَتَينِ، فَإنّهُ مُجَرَّبٌ نافِعٌ جِدًا، وقَدْ وَصَفْتُهُ لِمَنْ كانَ مُبْتَلَىً بالبَلْغَمِ نَحْوَ ثلاثِ سَنِينَ!؛ فَشُفِيَ مِنهُ فِي يَومَينِ بِفَضلِ اللهِ تعالَى، وكَنْتُ قَدْ تَلَقِّيْتُ نَسخَةَ الدواءِ هَذا عنْ حَكِيمٍ تُركِيٍّ، ثُمَّ رَأيتُ شِهابَ الدِّينِ النُوَيْرِيَّ قَدْ أشارَ إلَيهِ فِي خِزانَةِ الأدَبِ؛ ونَقَلَهُ عن بَعْضِ الأَعْرابِ وأنهُ عِلاجٌ للسعالِ؛ وسماهُ (سَويقَ اللّوْزِ) ، ورَأَيتُ نَحْوَهُ فِي العِقْدِ الفَرِيدِ؛ وأنَّ رَجُلًا مَرْوَزِيًّا اشتَكَى ضَررًا من سُعالٍ فَوُصِفَ له. ورَأيتُ فِي المحاسِن والمساوئِ لإبراهِيمَ بن مُحَمَّدٍ البَيْهَقِيِّ قِصَّةً وقَعَتْ لِسفْيانَ الثورِيِّ لمّا شَرِبَ مِن ماءِ زَمْزَمَ فاستحالَ إلَى سَويقِ اللوزِ، والله أعلمُ وَالحَمْدُ للهِ علَى تَوفِيقه.
-ومِنْهُ: (جَفْنُ عَسل) ؛ وِهيَ نُسْخَةٌ مِن تَوفِيقِ اللهِ تعالَى لِخادِم العِلْمِ؛ مُقَوِّيَةٌ للباهِ، وصَفْتُها مِرارًا لِمَنْ لمْ يَحْصُلْ لِهُ الولَدُ لِسَنَواتٍ طَويلَةٍ فَرُزِقَهُ وللهِ الحَمْدُ، وحُروفُ الاسْمِ تَرْمِزُ إلَى مُكَوِّناتِها، فالجِيم: الجَوزُ، والفاء: الفُسْتُق، والنُونُ: لَوزٌ بَرِّيٌّ يُوْجَدُ فِي نورِستانَ من بِلادِ أفغانِستانَ؛ حَبُّهُ صَغِيرٌ علَى هَيئَةِ القَلْبِ تَمامًا، فَإنْ لَمْ يُوجَد جُعِلَ البُنْدُقُ المَعْرُوفُ مَكانَهُ، والبُنْدُقُ حَكَى سِيبَوْيهِ أنَّ العَرَبَ تُسَمِّهِ (الجِلَّوْزَ) ؛ بِجِيمٍ مَكْسورَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةِ وَوَاوٍ ساكِنة، ويُقالُ لهُ: الفُنْدُقُ! بالفاءِ كذلك، والعَينُ: العَسلُ، والسينُ: الحَبَةُ السوداء، واللامُ: اللوزُ، فَيأُخُذُ مِن كُلِّ ذلكَ مَقادِيرَ مُتُساوِيةً إِلاَّ العَسَلَ؛ ويَطْحَنُها نِصْفَ طَحْنٍ بَعْدَ قَلْيِها فِي سَمْنٍ بَلَدِيٍّ؛ ولا يَقْلِي الحَبَّةَ السوداءَ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَينَ ذلكَ كُلِّهِ ويُضِيفُ إلَيهِ مِثْلَ وَزْنِ المَجْمُوعِ مِن العَسَلِ؛ ثمَّ يَضِيفُ الحَبَّةَ السوداءَ دَونَ طَحْنٍ؛ ويُقَلِّبُ الخَلِيطَ جَيّدًا، ثُمَّ يَحْتَفِظُ بِهِ فِي إناءٍ ويَتَناوَلُ مِنهُ مِلعَقَةً فِي الصباحِ وأخْرَى فِي المَساءِ؛ مَعَ المُداوَمَةِ علَيهِ. وَهَذِهِ التّرْكِيبَةُ نَافِعَةٌ جِدّا للحَامِلِ فِي وَقْتِ الحَمْلِ أَيضًا.
ملاحظات هامّةٌ لا بُدّ مِنْ مُرَاعَاتِها تَكْمِلَةً للعِلاَجِ:
1.تَجَنّبْ تَمَامًا استخْدامَ أَيّ نَوْعٍ مِنْ الزُّّيُوتِ الصنَاعِيَّةِ المُسْتَخْدَمَةِ فِي الطّبْخِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا؛ وَيُسْتَعْمَلُ بَدَلًا مِنْ هذَا السمنُ البَلَدِيُّ والزُّبْدُ الطّبِيعِيُّ وَزْيتُ الزِّيتُونِ.
2.الحَذَرُ منِ اسْتِخْدَامِ المعَلّبَاتِ؛ التِي تُحْفَظُ لِمُدّةٍ طَوِيلَةٍ بموادٍّ كيمَاوِيَّةٍ حافِظَةٍ.