وفروعها، ولم تترك للناس فرصة للبحث عما تحتاج إليه تلك العلوم من الألفاظ الاصطلاحية، مما وضعه العرب أو اقتبسوه في نهضتهم الماضية، ولا لوضع مصطلحات جديدة. والسبب في ذلك أن الذين اشتغلوا في ميادين العلوم الحديثة عند أول دخولها مصر والشام في أواسط القرن الماضي لم يكونوا على معرفة واسعة بعلوم اللغة، فلما ترجموا تلك العلوم إلى اللغة العربية لم يهتدوا إلى مصطلحاتها القديمة، أو اهتدوا إلى بعضها، ووضعوا لبعضها الآخر ألفاظًا لا تنطبق على المراد بها تمام الانطباق، لكنها صقلت بتوالي الأعوام، وصارت تدل على المراد كما أصاب أمثالها في أثناء النهضة العباسية وغيرها.
ولما انقضت تلك المرحلة وتكاثرت المدارس ونشأ الكتاب وعلماء اللغة، عادوا إلى النظر فيما دخل اللغة من المصطلحات العلمية أو الإدارية الجديدة، ولكنهم قلما استطاعوا تبديل شيء منه لتأصله وشيوعه في الكتب والجرائد والأندية وغيرها" [1] "
"وبعد: فمن الواضح أن مانرمي إليه في هذه الكلمات الموجزة عن اتساع العلوم الحديثة، هو أن التعبير عن هذه العلوم قد حمل علماء الغرب على ايجاد آلاف مؤلفة من المصطلحات الجديدة ضموها إلى لغاهم أواللغة العلمية، على حين أن لغتنا خلو منها أو من معظمها" [2]
وسنستعرض في هذا الباب ما كان من جهود لغوية في وضع المصطلحات العلمية في المشرق العربي في عصر النهضة الأولى الذي يمكن تحديده ببدايات القرن التاسع عشر ونهاية الحرب العالمية الأولى تقريبًا. وحسب طبيعة البحث فقد قسمناه إلى ثلاثة فصول هي:
الفصل الأول ...: المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة في مصر
الفصل الثاني ...: المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة في الشام
الفصل الثالث ...: المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة بين مصر والشام والعراق.
(1) زيدان، جرجي / تاريخ اللغة العربية باعتبار أنها كائن حي / 53.
(2) الشهابي، مصطفى / المصطلحات العلمية في اللغة العربية / 30 - 32 /.