أمَّا الذِينَ يَفْعَلُونَ السَّيِّئَاتِ ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي فِعْلِهَا وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَيها ، وَلاَ يَتُوبُونَ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهِم ، أيْ حَتَّى يَحْضُرُهُمْ مَلَكُ المَوْتِ ، فَيَقُولُونَ: تُبْنَا الآنَ ، وَالذِين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ، فَهَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ يَتَوَعَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعَذَابِ الأَلِيمِ المُوجِعِ الذِي أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ . ( وَجَعَلَ اللهُ تَوْبَةَ التَّائِبِ وَهُوَ عَلى فِرَاشِ المَوْتِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ ) .
إن التوبة التي يقبلها الله والتي تفضل فكتب على نفسه قبولها هي التي تصدر من النفس فتدل على أن هذه النفس قد أنشئت نشأة أخرى . قد هزها الندم من الأعماق ورجها رجًا شديدًا حتى استفاقت فثابت وأنابت وهي في فسحة من العمر وبحبوحة من الأمل واستجدت رغبة حقيقية في التطهر ونية حقيقية في سلوك طريق جديد .
{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم . وكان الله عليمًا حكيمًا } . .
والذين يعملون السوء بجهالة هم الذين يرتكبون الذنوب . . وهناك ما يشبه الإجماع على أن الجهالة هنا معناها الضلالة عن الهدى - طال أمدها أم قصر - ما دامت لا تستمر حتى تبلغ الروح الحلقوم . . والذين يتوبون من قريب: هم الذين يثوبون إلى الله قبل أن يتبين لهم الموت ويدخلوا في سكراته ويحسوا أنهم على عتباته . فهذه التوبة حينئذ هي توبة الندم والانخلاع من الخطيئة والنية على العمل الصالح والتكفير . وهي إذن نشأة جديدة للنفس ويقظة جديدة للضمير . . { فأولئك يتوب الله عليهم } . . { وكان الله عليمًا حكيمًا } . . يتصرف عن علم وعن حكمة . ويمنح عباده الضعاف فرصة العودة إلى الصف الطاهر ولا يطردهم أبدًا وراء الأسوار وهم راغبون رغبة حقيقية في الحمى الآمن والكنف الرحيم .