وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: الذِينَ أَرَادُوا الدُّنْيا وَزِينَتَها ، وَالذِين أَرَادُوا الآخِرَةَ وَنَعِيمَهَا ، وَسَعَوْا لَهَا سَعْيَها ، يَمُدُّهُمُ اللهُ فِيمَا هُمْ فِيهِ ( مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ) ، فَهُوَ المُتَصَرِّفُ الحَاكِمُ الذِي لاَ يَجُوزُ ، فَيُعْيِطي كُلاًّ مِنْهُمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا المِقْدَارَ الذِي يَقْتَضِيهِ صَلاحُهُ ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ الأَحْوَالُ: فَفَرِيقُ العَاجِلَةِ يُصْرَفُ إِلَى جَهَنَّمَ ، وَفَرِيقُ الآجِلَةِ يَصِيرُ إِلَى الجَنَّةِ . وَعَطَاءُ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهُ أَوْ يَرُدَّهُ أَوْ يُنْقِصَ مِنْهُ .
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ فَضَّلَ النَّاسَ ، بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فِي الدُّنْيا: فِي المَالِ وَالجَمَالِ وَالحَيَاةِ وَالعَمَلِ وَالأَعْمَارِ ، لِحِكْمَةٍ وَأَسْبَابٍ اقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ ، وَإِنَّ تَفَاوُتَهُمْ فِي الآخِرَةِ سَيَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ تَفَاوُتِهِمْ فِي الدُّنْيا ، وَسَيَكُونُ تَفَاضُلُهُمْ فِي الآخِرَةِ أَكْبَرَ مِنْ تَفَاضُلِهِمْ فِي الدُّنْيا .
والذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها ، فيؤدي تكاليفها ، وينهض بتبعاتها ، ويقيم سعيه لها على الإيمان . وليس الإيمان بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل . والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة ، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية . ولا ضير بعد ذلك من المتاع حين يملك الإنسان نفسه ، فلا يكون عبدًا لهذا المتاع .
وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى جهنم مذمومًا مدحورًا ، فالذي يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ينتهي إليها مشكورًا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى جزاء السعي الكريم لهدف كريم ، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء .