الصفحة 99 من 373

... ليست هناك أى مخالفة للأدب الشرعى إذا لجأنا إلى هذا الانتقاء وامتنعنا عن قبول الجبناء أو قليلى الذكاء، ولا ترد هنا قصة عبس وتولى، وسبب ذلك أن عملنا شبيه بعمل قائد يبنى جيشا، ولا يشبه عمل طبيب يعالج المرضى، فالقائد لا يصطحب إلا كل شجاع ذكى، لأن طبيعة المعارك تقتضى ذلك، ولا يناقض هذا المعنى وصية تقدم بها رجل صالح إلى الإمام البنا يشبه فيها الدعوة بأنها مستشفى، فإن الدعوة هى كذلك فعلا، تعالج الناس بقربها منهم، دون الالتزام بإدخالهم صفها.

... لسنا ندعى أننا الأمة الإسلامية وأن من هو خارج تنظيمنا ليس بمسلم حتى يجفل البعض إذا رأوا الانتقاء، وإنما نحن جماعة من الأمة الإسلامية انتدبنا أنفسنا لحمايتها وتذكيرها ورعاية قضاياها والسعى لحكمها بالقرآن، ولا نأخذ معنا إلا من يصلح لهذه المهمة الدقيقة الشاقة، مع بذل الحب للآخرين من المسلمين الذين تقصر قابلياتهم في نظرنا عن حمل الأعباء معنا بإجادة وإتقان، ولا نمتنع عن تكافل معهم وتساعد، ولكن من خارج التنظيم، وبعد مرحلة التأسيس الحرجة.

... ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يختار أشداء الصحابة رضى الله عنهم للصعاب، ويولى أمثال خالد الحروب، ويدنى أمثال أبى بكر وعمر وزراء، ويعجبه ذكاء وجمال دحية الكلبى فيبعثه سفيرا إلى هرقل، ولم يك مناديا على أول من يمر به ليقوم له بتلك المهام، وكان الثقل يرتكز على جماعة من فقهاء الصحابة وشجعانهم وفصحائهم دون كثير من المستضعفين السذج، مع أنهم شركاء في الإيمان. كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وإيمانهم الواحد لم يمنع اختلاف الطبائع، وفى الوقت الذى كان فيه دحية يتأنق: كان خالد يمد يده ليأكل الضب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت