الصفحة 59 من 373

ولكن كم من داعية يصول في الأفكار ويجول، ويحرص على معرفة دقائق الرأي وقواعد الموازنات السياسية، ويتفقه بجزئيات كثيرة، متجاوزًا حقائق الدعوة الأولى والاجتهاد في الأمور التي يحتاجها كل يوم، مستعجلًا الظهور قبل تمام النشأة الأول وتكامل مقومات اسم الدعوة!!

... ومثله في ذلك كمثل الشاعر المشهور الطرماح بن حكيم الطائي: قعد للناس وقال: اسألوني عن الغريب وقد أحكمته كله. أي غريب اللغة، وكان في ذلك صادقًا، فقال له رجل: ما معنى الطرماح؟ فلم يعرفه. فهو قد ذهب إلى البعيد، وتعنى له، وترك القريب وانصرف عنه، ولم يعرف اللفظة الأولى التي تعنيه هو قبل غيره.

... ولا بد أن ندرك أن أهم أركان أي خطة عندنا هو الرجوع إلى أحكام الابتداء وألفاظ الدعوة الأولى التي يقوم بها اسمها، وإلى بديهيات الدعوة، وإصلاح النفس، وتربية قطاعات من الشعب على الأخلاق والتعبد وترك الحرام، ثم يأتي التحدي الإسلامي بعد ذلك لا قبله، وإنه ما ثم غير إيمان نقيس به، ولا لنا فيما نقول عدا الوحيين ميزانا.

أرأيت سيل الوادي الزاخر في موسم الأمطار كيف يتجمع من شعاب وبطون وفروع يمد بعضها بعضا، ويضاف ماؤها، حتى يتولد النهر العريض؟

... كذلك أمر العمل الإسلامي، ينبع من أصل دائم، ثم يتوسع ويزداد زخمه بجهود تلتقي مع مسيرة تضيفها همم أنصاره، وواجهاته، ومساعي التجمعات الصغيرة المحدودة التي تلتقي أهدافها مع أهدافه.

... وهذا هو الذي عناه أبو تمام لما قال:

فاضمم أقاصيهم إليك فإنه ~~~ لا يزخر الوادي بغير شعاب

... فهو ضم، وجمع لكل جزئية خير بتوجيهها في (المسار) ولو لم يكن لصاحبها ارتباطا بالدعوة، إذ كل ما هنالك مفيد نافع، حتى الكلمة العفيفة الصادقة نحرص عليها وإن لم تصرح بإسلام.

دعوة تروي العطاش

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت