الصفحة 12 من 373

ولكن هذه الدراسة تستلزم خلفية من السكينة الإيمانية التى يطفى بردها حرارة التتبعات الدنيوية، وهى المواظبة على الذكر، المشار إليها ثانيًا، وتشمل معان متكاملة، من الزهد، والإخبات، والتواضع، في سلسلة من العبادات القلبية تبطئ بالداعية، لتمكنه خلال التأنى من اعتدال التحليل، ودقة القياس، وصواب التعليل، مثلما تسرع به سموًا نحو اندفاعة جهادية.

فإذا اجتمعت المعرفة الإيمانية، مع الموازنة التجريبية: كان أمر الدعوة والداعية تامًا.

إن المفهوم الإيجابى للسكينة الإيمانية الضرورية لفهم تجارب العمل الحركى لا يسمح لأحد أن يهبط بمستواها ومعناها إلى أنواع من الانعزالية والركود يكسهما بغلاف من نوافل الصلاة وخلوات التفكر، فإن ذلك نمط سلبى مفضول، إن لم يكن مبتدعًا.

سكينتنا أرفع، وألصق بحركات الحياة، ولها نبضات لا تتيح ارتخاء، بله الجمود، وحقيقتها: طمأنينة تغمر القلب وتحتله، بعد صراع داخلى فيه، تغلب به القناعة وشدة التصديق ما هنالك من هواجس تشكك في الغيب الذى بلّغنا به الوحى، فيدفع الجوارح وكل البدن إلى بذل الجهد في تنفيذ فرائض العبدة، وأعمال الفضائل، وتنهى عن منكر الظالمين، وقتال الكافرين، في غير ما وجل ولا حرص على ملذات العيش، توكلًا، ونظرًا إلى ثواب آجل.

ولهذا فإنك تجد الأبدان في الحركات دائبة، وتحتها القلوب وادعة ساكنة.

انتصار المؤمن المراغم

وتبدأ مسيرة الداعية لاكتساب هذه السكينة الإيمانية القلبية بصراع مع الشيطان متواصل، معاندة له، وعصيانا لتزيينه، وإزاحة لتسلطه، حتى يجليه عن مواضع ستة يحتلها.

وتسمى هذه بمعركة المراغمة، قد كشف ابن القيم طبيعتها، ووضع خارطة موقعها، وبين المدارج التى يسلكها المؤمن لنيل النصر فيها على هذا العدو الذى يجرى منه مجرى الدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت