... إن العاتب متبطر، فإن اندفاع دعاة الاسلام لخدمة قضايا الأمة والتفانى فيها قد بلغ أوجبا عاليا، وما تزال قلوبهم تحلق في ذلك الفق السامى، ولن يكون منهم، إبطاء اذا حصلت لهم القوة وساعدتهم الظروف، ولكنهم يبطؤون إذا رأوا السجون وقيود الأغلال الظالمة تحجزهم عن لقاء اليهود والمستعمرين الذين ما زالوا يجثمون على بعض أقطار العالم الإسلامى، والبذل لا يكون مع ظهر مكشوف تأتى فيه الرصاصة الأولى من الخلف، من الحكام الخونة، قبل رصاصة العدو في الصدر، وجدير بالدعاة أن يقودوا الناس لاجتثاث هذه الكيانات الظالمة الهزيلة التى تقع عليها مسؤولية ضياع قضايا الأمة أولا وأخرا.
... مثلما أن التقديرات المصلحية تدعوا إلى مثابرة الجيل الرائد في العمل الفردي الهادئ، فإن المصلحة نفسها تدعو بالمقابل إلى الظهور بعد انتهاء التأسيس، واستخدام الأساليب الجماعية العامة، والمقارعة الفكرية، والمنافسة السياسية.
... إنه لا يسوغ لداعية أبدًا أن يرى جودة معادن الصفوة فيستطرد ويود بقاء التخطيط الأول ليحصل على المعادن الجيدة فقط، العالية الهمة، القوية الشكيمة، ذلك لأن الكثرة العددية مطلوبة أيضًا، وأثرها في الصراع كأثر الجزالة والجودة النوعية، ولن تكون معادن الصفوة في المجتمع كثيرة.
نحن في ذلك محكومون بقدر من الله مقدور علينا، كشف عنه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) (1) .
... والراحلة هي الناقة القوية السريعة السير، لا تجدها إلا قليلة في الإبل، كأن نسبتها لقلتها، لا تتعدى الواحدة في القطيع.
... وكذلك العنصر القيادي في الناس، لا تجد النبيه الشجاع الدؤوب ذا الفطرة السليمة، إلا بنسبة ضئيلة في الناس، وأكثرهم تتعدد فيهم أنواع الضعف والنقص.
(1) صحيح البخاري 8/130.