... فمرحلة الابتداء كنت تحرص فيها على الرواحل فحسب، أو لا يأتيك أصلًا ويتصدى لمجازفة التأسيس إلا الرواحل، ولكن إكمال الشوط يستدعى منك انفتاحًا وانبثاثًا بعد انتظار التأسيس، ولا تستطيع ذلك إلا بأنصاف الرواحل.
التشدد في الانتقاء أصل
إن لكل مرحلة جيلها وأهلها.
فالاستعداد للموت في سبيل الله، وبذلك الروح، ووضع قطرة الدم في الحساب: صفات أساسية في الرواد، لقميص كل منهم زر واحد وليست أزرارًا عشرين، فإذا طلب منه أن يفتح صدره للرصاص: فتحه دونما تأخير وتسويف، وكل منهم، روحه في يده، إذا قيل له: هات روحك! قال: هاك، وليست روحه في القفص الصدري، يريد مهلة ليفتح القفص، فيفتش عن مفتاحه في جيوبه فلا يجده، فإذا ذهب إلى بيته ليجلبه: وجد حسن زوجته يخذله، ويعود يعتذر ويبرر.
إن كل تشدد في انتقاء جيل الرواد مستحسن، بل يجب أن يبلغ أبعد مداه، فإنه هو الجيل الذي سيقود الأجيال التي بعده، وعليه يقع ثقل البناء، ومنه يطلب الصبر على طول الرحلة، وإليه تشرئب الأعناق، تنتظر مبادرته إلى ضرب الأمثال، وهو الذي سيقص القصص للذين يقتدون، ويبتدع السنن للذين يقتنون.
إن أمر هذا الجيل كأمر المهاجرين وقدماء الأنصار في الثبات يوم كثر النفاق بعد بدر، وفي الشجاعة يوم انهزم الطلقاء في حنين، وفي الوفاء يوم ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه سلم.
تساهل.. بعد التشدد
فإذا ما اجتمعت الصفوة بعدد كاف، وأمنت الدعوة صفاء الجيل القيادي، فقد جاز لها أن تتساهل بعض التساهل كي تتمكن من تكوين جيل منفذ يرابط أفراده في قطاعات المجتمع المختلفة، فتقبل الأقل شجاعة، والأقل ذكاء، والأضعف شخصية، والقادر على المحاكاة دون ابتكار، والذي تهزه المواعظ ويحركه الحث وإن فقد المسارعة والابتدار، لا الجبان الرعيد، ولا المغفل البليد، ولا التائه المعقد، أو الجامد الكثيف.