إن هذا التساهل اصطلاح مجازي أكثر مما هو حقيقة، فإن توافر عناصر الواقعية في عمليتك التجميعية، يخبرك على العدول عن التزمت، إذ أن معظم الناس يفتقدون الصفات العالية، ولا بد من تكثير سواد العاملين، وضخامة العدد تتطلبها الظروف في أغلب الأحيان، ولن تصل إلى هذه الزيادة، إلا بأن تصحب معك في قافلتك من فيه عيب يسير، وإذا حرصت على الرواحل القوية فقط فإن السنين الثمينة ستمر بزيادة قليلة، وتسبقنا التكتلات الأخرى، ولربما ينعدم تكرر الفرصة.
... فها هنا مصلحة كبيرة متمثلة في المبادرة إلى اغتنام مجال المنافسة الذي ما يزال مفتوحا، وتصادمها مصلحة أصغر منها متمثلة في الحرص على الانتقال الجيد، أو مفسدة كبيرة تتمثل في فوات الفرصة، ومفسدة أصغر منها في احتمال من لم تتسام صفاته إلى الفلك الأرفع، والقاعدة الفقهية تقتضي بتفويت أقل المصلحتين ودفع أكبر المفسدين، من غير غفلة عن شروط الإيمان عند الاثنين، مع بذلك منا لهما، نبذل لهما التهذيب، والتربية والعي.
... ولست بحاجة إلى تنبيهك هاهنا إلى أن هذا التساهل لا يعدم أصل الحرص على النماذج العالية الرواحل في هذه المرحلة أيضًا، كي يشاركوا في تخفيف الثقل الجديد الذي يلقيه التوسع على عاتق المؤسسين، فالتساهل إسالة لمورد جديد ثري لا يقتضي غلق المورد الأول أو تضييقه.
تكامل الهمم
... وضرب بعض الدعاة مثلًا لنا في ذلك كمثل أهل قرية، يمر بهم رجل عالم فقيه لا يسمع خلال دورهم أذانا، فيبتئس ويعظهم، ويطلب منهم حملة يتعاونون فيها على بناء مسجد، فهو الرائد المؤسس.