... وأما تجارب الحركة الإسلامية المعاصرة، ففيها الكثير مما يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة التجميع الذى مارسته بلا انتقاء، إذ استجاب بعض منتسبيها إلى إغراء معروض تلوثت به سمعة الجماعة وفزع آخرون من إرهاب مفروض ففضحت أسرار عزيزة.
... نعم، يمكن كسر هذه القاعدة، إذا كان الضعيف ذا صفة أخرى تؤهله لخدمة الجماعة في باب لا يتاح دخوله لكثيرين، كشاعر لا يعرف بمزيد شجاعة ينصر ببلاغته حجج الفقهاء، ويتغنى بمعانى الحماسة إذا اقتحم رهط الشجعان، أو ساذج غنى يجود بماله إذا اندفع لتنفيذ الخطط الوعاة، لكن هذه المعادن نادرة، ولا تنثلم القاعدة بحرصنا على مثلهم، إذ لم تشهد ساحة الفصاحة من غير المقاتلين غير حسان واحد يؤيده الله بروح القدس.
إنما التنظيم لأهل الشمول
... ومن متممات هذا الانتقاء أن نحرص على تناسق صفات الذين ننظمهم أيام التأسيس مع المنحى الشمولى الذى عرفت به دعوتنا، وهذا يقتضى أن نبتعد عن خمسة:
* نبتعد عن سالك مسالك الجمعيات الخيرية فحسب، الذى يضيق ذرعا بخط الجماعة السياسى، ويقلص سعه آفاق العمل، ويحصرها في بناء مسجد ورعاية مريض، ويعزف عن توجيه الجهود نحو مقاومة أحزاب الباطل وحكام الجور، ويصرفها إلى جوانب مفيدة، لكنها ثانوية، وتستهلك طاقة كبيرة تكون ثمنا لإنتاج ضئيل لا يوازيها.
* ونبتعد عن العنيف الحربى، المستسهل إراقة الدماء، المتأثر بأساليب الأحزاب وجرأة المغامرين، الذى يريد الوصول السريع ويعتبر العمل التربوى والصراع الفكرى تعويقا وجهدا مهدرا، وليس له تمييز بين التهور وخط الجماعة التغييرى المتدرج.
* ونبتعد عن الباحث الفقهى المجرد، الذى يقصر دور المسلم على البحث والتدوين وجمع الكتب، دون سيرة عملية في التعليم وإرشاد العامة، ويرى كل جهد غير البحث نقصا، ويتصور الدعوة مجمعا فقهيا.