إن النشأة الأولى توجد لك نموذج القيادي البارع في الاتصال الفردي أو التربية الإيمانية الأخلاقية العلمية، ولكن حاجات الدعوة أكبر وأشمل وأكثر تنوعًا، ولابد أن يوجد فيها الخطيب الماهر، والكاتب الرصين، والمحلل السياسي، والقدوة المستقطب، والزعيم الجماهيري، والمدير النقابي، والفقيه المفتي، والصحفي المتفنن، والمانع الحامي، وكل هؤلاء إنما تدربهم يوميات نشاط أيام الانفتاح تلقائيًا، وتنفتح أمامهم فرص لإثبات جدارتهم لم تكن أيام النشوء، وكل ميسر للما خلق له، والقابليات متنوعة، وربما اكن الكسول في الاتصال والتربية كاتبًا ناجحًا، أو رجل سياسة بارع، وتكامل الأعمال ضروري، كأعمال أهل القرية أولئك، الذين بنوا مسجدًا.
التربية بالمواقف ممكنة في المرحلتين
إن المواقف الجماعية ستربيهم آنذاك بأكثر مما كانت في المرحلة الأولى.
... إن النشأة تحتاج إلى نوع من الهدوء والتكتم وتربية الخلوات، ولكن أصل (التربية يالمواقف) لا يتعارض معها كما يتوهم البعض، فالداعية في هذا الدور لا يحتاج إلى مجرد الزاد الروحى الذى تتيحه له الخلوات الجماعية أو الفردية، وإنما هو بحاجة إلى أن يضع نفسه وجها لوجه مع المجتمع، يجاهره برأيه ويصارحه، ومن خلال هذه المجاهرات ستبرز أمامه أشكال من الاعتراضات المفاجئة والمصاعب الجديدة لم يكن يتصورها أو يتوقع حدوثها، ويشعر بضرورة التخلص من الاعتراض بحجة دامغة، وضرورة الانقلاب من المأزق بانتصار عليه، وضرورة استغلاله وقيادته لمن ينحاز إليه بعد الحجة وجاذبية الانتصار في ذلك الموقف، ومن ثم فأن الداعية لن يجد لسد هذه الضرورات خيرا من ذهنه وجهده، فيبادر إلى قدح الذهن، فيتأمل ويفكر ويخطط ويبادر إلى إنهاض نفسه، فيتحرك ويغدو ويروح ويتعب، وواضح أن هاتين المبادرتين لم تخصلا إلا نتيجة لوقوفه موقفه ذاك الأول وبذلك تكون المواقف عاملا تربويا وطريقا لتحصيل الجهد من الدعاة، وتعليما لهم على التخطيط.