... مثلا: تذهب إلى مجلس وتطرح رأيك طرحك الرأى أمام عشرين سيكون له رد فعل مختلف، وسيكون عشرة منهم من الحيادين، وهذا شأن كثير من الناس، ولكن عشرة اخرين سيقفون موقفا مؤيدا أو معارضا بعضهم سيتجمل كلامكن وأخرين قد يصل بهم الأمر إلى التصريح بإلحاد سافر.
... إنك لم تقل لتقسم السامعين إلى فريقين وتسكت، بل تريد أن تواصل المعركة بطريقين فالذين أيدوك تستغل تايديهم لتقريبهم وتربيتهم وتزورهم زيارات خاصة لتحدثهم على انفراد حيث لا يختلط صوتك بصوت معارض وهذا يضطرك إلى زيادة علمك لتفيدهم بفوائد جديدة، ولن تكون زيادة العلم إلا بمطالعة، وهكذا في متوالية من المتطلبات تربيك، فإذا ارتقيت معهم ونظمتهم فستضطر لتعلم الفن التربوى ومطالعة أخبار السياسة لتحلل لهم الأوضاع، وهكذا تكن خطتك للارتفاع بمستواهم هى رفع لمستواك أنت ايضا كداعية.
... وأما من عارضك فإنك تريد أن تذهب عنهم وسوستهم وهم سيحاولون البرهنة على أنك مخطئ، فتقرع أنت الحجة بالحجة، لأنك إن انهزمت أمامهم لم يعترف بك من أيدك كقائد له، وهذا يضطرك لتعلم فن النقاش الهادئ الذى لا يقرب السباب والشتائم.
... فانظر كيف أن موقفا واحدا قد رياك دون أن يأتيك حث خارجى، بل هو حث نابع من ذات الموقف، فينشغل ذهنك، وتعايش مواقفك معايشة قلبية في غير ما تقليد، حتى لتحلم في منامك بالليل كأنك تناقش وترد على فيك من الألفاظ ما تحفظها لتقلها في اليقظة.
... إن الاستفزاز هو الذى يحرك الذهن ويستدر من الأفكار، وانظر إلى نفسك إن كنت وحيدا ووقعت بقربك حجارة صغيرة، فإن وقوعوها سيجبرك على أن تفكر بسبب وقوعها: أهو لص يختبر ساحته أم طفل يلعب رمى بها؟ كذلك أمر التربية، اذا ف الهدوء التام يستحيل انقداح الذهن للتفكير في مسائل الدعوة، ولا بد من وجود من يرميك وترميه من خلال المواقف.