... فإن بلدًا تعمل فيه تشطب من عدد أهله بجرة قلم واحدة تسعة أعشار عدد النساء، إذ لا يزال تأثيرهن ودورهن الفكري والسياسي في العالم الإسلامي غير كامل، ويكاد أن يكون ضعيفًا، وتشطب ملايين الأطفال، ومثلهم من أهل البداوة أو الحياة المنعزلة، وأعدادًا هائلة من الجبناء والسلبيين والبلداء الذين لا يحملون رأيا ولا يعتنقون فكرة ولا يعارضون سياسة أو يؤيدون، وشيوخًا عجزة، ومرضى تشغلهم الآلام، ومن لا يزال أميًا ومفرطًا في السذاجة، وأمثال هؤلاء.
وهكذا فإنه لا يتفاعل مع تطور الأحداث أكثر من عشر السكان، أو أكثر قليلًا ومعظمهم أتباع مقودون، مقلدون، يفتقدون إمكانية تحليل المواقف ويعوزهم الاجتهاد والإبداع، وأما قيادة التيارات وتحريك الصراع فلا تتجاوز بضع عشرات من الألوف في مجتمع الملايين، وهم أصحاب مراكز التأثير المذكورة وبعض الطلاب والعمال والفلاحين، ومساواة القوة الإسلامية ضمن هذه القلة للقوة الأخرى، أو القوى المتخالفة هي التي نعنيها ونتخذها مقياسًا بعيدًا، ومع ذلك فإن الله تعالى قد يهب الدعوة بضع عشرات قليلة من أصحاب الكفاية العالية أو البراعة يكون لهم من ثقل الوزن ما يعوض عن مئات من عناصر التأثير التي عددناها، وبهم يتم اختصار الطريق ويقصر، كأستاذ جامعي مكتشف أو تلفت بحوثه الانتباه، وصحفي قدير سيال القلم ذي خلفية واسعة ويسنده أرشيف دقيق، وفقيه ملئ يملك عقلية مستنبطة واطلاعًا على كتب التراث، وخطيب مصقع بليغ يأسر القلوب، وشاعر فحل جزل يتفنن في تحريك النفوس، ومقدام يركض إلى الموت فيستشهد، فيؤجج الحماسة، وتعلو هادرة من بعده الأصوات.
إن النصر قريب الطريق، حتى لتكاد أن تتناوشه أيدي الدعاة، ولكن متى كانوا شجعانًا، ولفن الانسياب وعاة.