الصفحة 55 من 373

... كلا، إن الخطر لا يأتي من هذا الباب، ولن يجد الكبراء لهم في دعوتنا مكانا، ولكن الخطر المحتمل يأتي من أن الدعوة، في أعوام من غياب التخطيط، قد تتحول إلى مجرد حركة مثقفين مدنية تهمل العامل والفلاح، فتنصب العناية على المدارس والجامعات وطوائف الخريجين، لما لهم من استعداد للمباحث الفكرية، ولا يكون ثمة نزول لمستوى العامل والفلاح ورعاية مشاكلهما وتبني حلولها، ولقد تلبست الحركة في بعض البلدان بمثل هذا التقصير، وسبقها اليسار إليهما سبقا ً لم تستطيع معه الاستدراك، ولم يعد بالإمكان قيام تعادل في الممارسة السياسية، وصدق على الدعوة المثل القائل بأن العين بصيرة واليد قصيرة، فإن لمجموعة الدعاة المثقفين بصائر من الوعي، إلا أن يدهم التي يمدونها إلى الباطل قصيرة، لا تطيلها يد العامل والفلاح.

... ولربما سلكت الدعوة مسلكًا قصوريًا آخر تتحول به إلى اتجاه فكري أدبي يكثر من البحوث الفقهية، والتأليف والنشر، والمحاضرة والخطبة، ومجالس الحوار والنقاش، وهو اتجاه أخطر من الأول، يمس أصل مفهوم الدعوة، بابتعاده عن التجميع الواسع والتنظيم الدقيق، وبانصرافه عن النهي العملي عن المنكر، وليست الدعوة ذات استغناء عن التأليف والنشر والحوار، ولكنها ليست مجرد مجمع علمي.

إن الشمولية في التجميع ضرورية، ويجب أن تكون رديفة معنى مقاربتنا لقوة الاتجاهات الأخرى، فيتصورون أن الدعوة، لوصولها إلى هذا الوصف لا بد أن تجعل لها تماسًا بنصف عدد السكان، وهو تصور مغرق في البدائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت