الصفحة 5 من 373

إن الدعاة كثيرًا ما يشكون عزوف الناس عنهم والتهاءهم بشكليات عادية يجدونها عند الأحزاب الأخرى، وبالغث لا بالسمين، وباللغو لا بالعلم، وما من شك في أن هذه الظاهرة هى من الجهالة التى قوبل بها الأنبياء عليهم السلام وبعض المصلحين وأنها صفة متوقعة من البشر، وأنها من علامات اقتراب الساعة، ولكن يبدو أن صدود الناس هذه الأيام قد فاق كل صدود سابق، وأن جهالة الناس بلغت حضيضًا واطئًا، وأصبح أمر الإصلاح عسيرًا على المقل الماشى في طريق الإيمان بهدوء وبرود، ولابد أن يتصدى المكثر، الراكض، الفائر، ذو الحرارة.

إن للتقوى أثار تشغيل، وبمقدار جديتنا: يكون الناس جديين، ولنا شاهد دائم في أنفسنا، فإننا نتفاوت بين يوم ويوم، وإيماننا يزيد وينقص، فإذا كنا حينًا في إيمان جيد: رأينا إقبال الناس علينا، وإذا كان جزر إيمانى وقسوة قلب في حين آخر: رأينا قلة جدوى نشاطنا، مع كثرة غدونا ورواحتنا، وكل منا قد تعاقب عليه مثل هذه الأحوال ولمس بنفسه اختلاف مواقف الناس منه، وضوابط إنتاج الجماعة تعتمد في كثير من جوانبها على ضوابط إنتاج الجماعة كثير من جوانبها على ضوابط إنتاج الفرد.

صمت الملىء

إن هذه الميزات الثلاث تقترن بطابع مهم يطبع التخطيط الإسلامى يمكن أن يسمى: كفاية تعبير الحقيقة، ويكشف عنه قول لأحد السلف كان يلاحظ أنه (ما أدعى أحد قط إلا لخلوة عن الحقائق، ولو تحقق في شئ لنطقت عنه الحقيقة، وأغنته عن الدعوى) .

فكما أن الفرد إذا امتلأ: سكت، ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه، فكذلك جماعة المؤمنين، إذا اتصفت بما تدعو إليه وانبثت، وأحكمت صفوفها، ووفرت أسباب القوة: أغنتها هذه الحقائق عن الدعوى والمقال، وكان فعلها مغنيًا لها عن الوصف والتهديد، ولست ترى جماعة كثيرة الكلام إلا كان كلامها دليلًا على ضعف رصيدها العملى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت