... والمروى في هذا المعنى عن السلف شئ متواتر، والمأثور عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه كان يوصى جنده بالتوبة قبل النزال، وكان أبو الدرداء رضى الله عنه يقول: (أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو، فإنكم تقاتلون بأعمالكم) ، وكان الفضيل بن عياض يقول للمجاهدين إذا أرادوا أن يخرجوا: (عليكم بالتوبة، فإنها ترد عنكم ما لا ترده السيوف) ، وإنما نصارع أحزاب الإلحاد اليوم وحكومات الكفر بأعمالنا قبل أن نقاتلهم بفنوننا وشهاداتنا واختصاصاتنا وسلاحنا.
... (الميزة الثانية) : انعكاس الاختيار الذاتى: فإننا نستطيع توجيه غيرنا متى نجحنا في توجيه أنفسنا نحن معاشر الدعاة، ولإمام مصر عبدالله بن وهب رحمه الله التفاتة حسنة إلى هذه الظاهرة، وكان يكثر أن يقول: (إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه) .
... هكذا وهما وجهان متقابلان: شرط وعطاء، فالداعية محروم من التأثير في غيره ما لم يكن هو متأثرًا متصبغًا بما يدعو إليه، كما أن تمثيله لحقائق دعوته وترجمته لمعانى إيمانه تهبانه قدرة تلقائية على شد المقابل إلى مساره أو الإحسان في تربيته.
إن جمهورنا سيبنى أفكاره وشخصيته، ويحدد أنماط سلوكه مقلدًا لنا ومحاكيًا، وسيسرع فهم دعوتنا إذا فهمناها قبله.
(الميزة الثالثة) حركة أصداء الورع: فإن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع: كانت لورعه أصداء يحدث تكرارها وترددها تحريكًا للناس، ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيى بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعى منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقلبه على الله تعالى: أقبل بقبول العباد إليه.