الصفحة 39 من 373

... من هنا وجب أن نفتش عن تبرير شرعى للمرحلية، وهو أمر ليس بالصعب على من له نظر في وصايا الفقهاء ، فإن التبرير يكمن واضحا في قاعدة تعارض المصالح والمفاسد: إن المصلحة اليسيرة إذا زاحمتها المصلحة العظيمة: أمكن تفويتها وتقديم العظيمة، واحتمال قليل المفسدة لدفع التى هى أكبر منها، كما ابقى النبى الاعز صلى الله عليه وسلم المنافق الاذل عبد الله بن ابى بن سلول حيا يكيد ويظاهر اليهود، ويؤذى، واحتمل مفسدته حذرا من وقوع مفسدة أكبر، ألا يجفل العرب عن الاسلام خوفا من القتل.

... ثم العقل يؤيد هذا المذهب، فقد قيل: أن المنبت-أى المسرع المجهد لنفسه في السير-لا أرضا قطع ولا ظهرا ابقى، أى ظهر دابته الى اماتها بالتعب، فتركه وحيدا وسط الصحراء.

... إن احتمال المنكر مدة أيسر من مجازفة متهورة تفشل وتبقيه، وقاعدة الترجيح بين المصالح المتعارضة أثناء قيام الداعية بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إنما هى قاعدة صحيحة شرعا ومنطقا، وعلى الداعية أن يوازن بين ضرر المنكر قبل إزالته، والضرر الذى قد ينشأ ويرافق إزالته: أيهما أكبر؟ وبين كمية المعروف الموجودة وكمية المعروف التى قد تفوت منها إذا أمرنا بمعروف أخر، أيهما أجزل؟.

... إن هذه القاعدة هى من أهم القواعد التى تكفل للدعاة حسن السياسة، وواقعية الخطوات وإذا غابت عن ذهن الدعاة فإن غيابها سيوقعهم في إحدى سيئتين:

... إما التهور، وإما اليأس الذى يحول دون اغتنام الفرص.

... والتهور هو الأخطر.

... فالداعية يرى أمامه حزبا كافرا، أو حكومة كافرة أو ما هو أدنى من الكفر من صور المنكر فينسى قاعدة الموازنة هذه، ويشدد على وجوب محق هذا المنكر توا، ويردد آيات وأحاديث النهى عن المنكر، دون أن يسأل نفسه: هل لبى بهذا المنكر طاقة؟ وهل زواله يمهد لحلول ما هو أنكر منه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت