... والمشترى لا يتعنى لسوق بعيدة بضاعتها تجاوره في سوق قريبة، وكذلك الجماعة، تسلك الطريق الأقصر، وهو يربأ أن يشترى قميصا سريع التمزق من قماش ردىء ويدفع ثمنا، اجزل لقميص أجود، وكذلك الجماعة، لا تفرغ جهدها في عمل سريع التبدد، بل تمد قدمها في خطوة ثابتة واثقة قاطعة.
... ولكن هذه الأوصاف مثلما توجب الابتعاد عن التهور والاندفاع السريع فإنها ايضا من باب آخر توجب المبادرة لاغتنام الفرص، والتهيؤ للولوج من كل ثغرة متاحة، في الحين المناسب إذ قد يكون الباب المنفتح سريع الانغلاق.
... كالذى يلازم السوق يترصد الصفقات المواتية، فالصافق، المتاجر، يجلس الأيام والأسابيع ينتظر ولا يشترى ثم فجأة تعرض له صفقة بثمن بخس يدرك بحواسه وحدسه انه سيربح منها من بعد، فيسارع الى الشراء فلو لم يكن جالسا في السوق مراقبا منافسيه: لما عرفها ولم لم تكن نقوده بجيبه: لسبقه غيره، فأنه كان يقظا، متحفزا ملئ الجيب: أتاه الربح ولو اكتفى منصتا في ركن خلفة من مقهى السوق الى قاص يقص عليه خبر نجاح التجار لالهته القصص، وخدرته الأحلام والأوهام.
... فلا يصح إذن أن تتبادر إلى ذهن الداعية معانى السكينة، والتؤدة، والتأنى، كتفسيرات وحيدة للمرحلية، وأوصاف تقترن بها لاول وهلة عندما يسمع لفظها، وإنما يجب عليه ان يفهمها على إنها نداء لبناء القوة ولتصريف الطاقة وفق تقدير وحساب، فهى تقدم الى الإمام، نتيجة هذا البناء والتصريف الموزون، وهى انتباه واستباق.
... ومن هنا نفهم أم المرحلية ليست مجرد واعظ يمسك باللجام عند فرط الرغبة والأقدام، ونتصورها مثل شيخ مسن وقور جمع أولاده وأحفاده حوله يوصيهم بالسير الرفيق، ويضخم لهم موجات الحذر، بل المرحلية مثل خطيب مصقع ايضا، يستجيش الحماس عن الغفلة ويحث عند طروء الرهبة.