... ولكن هذه النشأة التلقائية للعناصر القيادية لا تكفى، بل لا بد أن تصقلها معاناة مباشرة، فتكون المناقشة اليومية أو الأسبوعية لحيثيات الإدارة والتربية والنشاط العام بين القائد والمسؤول التابع مدرسة عملية لتلقينه الأحكام الجزئية والنظرات الاجتهادية المصلحية والنسبية في فقه الدعوة، ويجب هذا التعليم على كل قيادى، على اختلاف طبقات القياديين في التنظيم، مع القيادى الذى يتبعه، ولا يصح أن يضع القيادى الأعلى ثقته كاملة بأعوانه التابعين، فجرى لهم إرادتهم وطلباتهم دونما نقاش وحوار، فإن ذلك يضاد الحزم، ويحرمهم التعلم، ويقربهم من الهوى، وهو دليل الضعف.
... وكان الوزير العباسى أبو عبد الله العارض قد عرض على الخليفة يوم استيزاره بعض أمور الرعية، فوافقه عليها الخليفة كلها، فبكى الوزير، فاستغربوا بكاءه، فقال:
... ( عرضت على صاحبى تذكرة مشتملة على أشياء مختلفة، فأمضاها كلها، ولم يناظرنى في شىء منها، ولازادنى شيئا فيها، ولا ناظرنى عليها، ولعلى قد بلوته بها، وأخفيت مغزاى في ضمنها، فخيل إلى بهذا الحال أن غيرى يقف موقفى فيقول في قولا مزخرفا، وينسب إلى أمرا مؤلفا، فيمضى ذلك أيضا له كما أمضاءه لى ) (1) .
... ودعك مما في هذه القصة المهمة من تخوف الوزير من الوشاية، وخذ إشارتها العامة، وما على القائد من وجوب وضع نفسه وجها لوجه أمام الوقائع، فاحصا ومستفسرا.
... بل يجب على القائد ما هو أكثر، فإن المفروض فيه أن يخالط الدعاة، يرى وعيهم أو سذاجتهم، ويكتشف طبائع آمالهم وأمانيهم، ويسمعهم إذ هم على سجيتهم ويسترسلون، ليكتشف.. إصابتهم فينميها، ونقصهم فيسده، ولا يسوغ في عرف العمل أن تروى الأمور للقادة مجرد رواية، والقائد الذى لا يستطيع مشارفة العمل بنفسه وتصعب عليه مقابلة دعاته وجها لوجه سيكثر منه الخطأ.
(1) الإمتاع والمؤانسة 3/ 65